تشريع زراعة القنّب الهندي (الحشيش) في لبنان من التشريعات المرغوبة لدى فئة كبيرة من الناس في البقاع عموماً، وفي البقاع الشمالي خصوصاً. ويمكن لهذا التشريع أن يساهم في مكافحة الفقر المدقع في البقاع، وأن يخلق المزيد من فرص العمل الشرعية، كما يمكن له أن يزيد من مداخيل المالية العامة.

حركة تشريع القنب الهندي في العالم اليوم في حال متقدمة. فلا تمر سنة إلا ولائحة البلدان التي تشرع القنّب الهندي للاستخدام الطبي و/ أو الشخصي تزداد بإضطراد، خصوصاً في البلدان النامية. والمطلع على هذه التشريعات يلاحظ سريعاً أن التشريعات هذه تتناسب مع خصوصية كل بلد على حدة.
الفرق بين تشريع الحشيش في البلدان النامية (لبنان مثلاً)، والبلدان الصناعية النامية شاسع حقاً. فمن المعلوم أن البلدان النامية قرّرت عبر كل تاريخها المعاصر تجريم الحشيش لأي استخدام كان، وكانت العقوبات من العيار الثقيل، الى أن قررت مؤخراً ــــ وغالباً خلال العقد الماضي ــــ تشريع وقوننة زراعة المحصول واستخدامه.
ما يميز هذه التشريعات في البلدان النامية أنها أتت متأنّية ولم تكن وليدة صدفة. بل نتيجة للتخطيط الواعي. فقد تم التحضير لهذه التشريعات عبر تطوير الوعي الجَماعي لمخاطر الاستخدام الشخصي وتصوير هذه الزراعة كآفة اجتماعية. كما ترافق ذلك مع رفع المستوى المعيشي والاتجاه نحو التوزيع العادل للثروات الوطنية ومكافحة الفقر والحد من انتشاره ومن تنامي آثاره السلبية. ومن المعروف أن استخدام الحشيش والمخدرات ينتشر بشكل أكبر في المناطق المهمشةً وبين الفقراء والعاطلين عن العمل. وقد ترافق ذلك مع تطوير المؤسسات العلاجية للإدمان على المخدرات ونشر الوعي بين كافة شرائح المجتمع حول المخاطر الصحية والاجتماعية والاقتصادية لهذه الآفة.
أما الاستخدام الطبي للحشيش، فما زالت العلوم الطبية عامة مشككة في جدوى العلاج بالحشيش. ولعل المطّلع يعلم تماماً أن معظم العلاجات الطبية هي عبارة عن منتجات يتم تحضيرها على مستوى فردي من الحشيش الخام. أي أن المريض يستحصل على خام الحشيش ويستخرج منه الزيوت للحقن أو يحضرها للمضغ او الاستهلاك لأهداف علاجية. وهنا تكمن احتمالات تماهي حدود الاستخدام الطبي مع الاستخدام الشخصي كمخدر.
مقارنة مع التجارب العالمية، تبدو التجربة اللبنانية متسرعة للوهلة الأولى. اذ أن الأرضية اللازمة لقوننة هذه الزراعة لا تبدو جاهزة بالكامل. فالبنية المؤسسية والتنظيمية ونظام الحوكمة بشكل عام يعاني من خلل وضعف بنيوي يستعصي عليه التعامل مع قضايا أقل خطور وحساسية من موضوع المخدرات والحشيش، لا سيما في الأمن والقضاء والزراعة والصحة والتحصين الاجتماعي ومحاربة الفقر وتوزيع الدخل. يترافق ذلك مع محدودية انتشار وكفاءة المؤسسات المعالجة للإدمان. فعلى سبيل المثال، يمكن تهريب كميات كبيرة من المواد الخام من السوق الطبي الى سوق الاستهلاك الخاص، مع شبه استحالة في رصد أو مراقبة أو محاسبة هذا التهريب. و مهما كانت هذه التشريعات دقيقة وضامنة على مستوى النص، فإن حسن تطبيقها على الأرض يبدو مشكوكا فيه كما دلت على ذلك محاولات تطبيق العديد من القوانين، مثل قانون السير وقانون منع التدخين وغيرها.
إن قضية التنمية الريفية المستدامة في لبنان عامة، وفي البقاع خاصة، كانت متاحة و بكثرة و بعيداً عن تشريع الحشيش عبر تاريخ لبنان الحديث. لكن نظام الحوكمة المحدود هو الذي منع هذه التنمية. فالحوكمة المؤدية الى التنمية المستدامة في لبنان منقسمة بين من لا يريدها أصلا ومن يريدها صادقاً من دون أن يعرف الكيفية. تُرك البقاع منفردا يواجه أزماته الاقتصادية و الاجتماعية الى أن أوصلوه الى الكي... آخر الدواء.
*مهندس زراعي، خبير تنمية ريفية