في محاولة لامتصاص غضب الأهالي على مشروع إقامة معمل لفرز النفايات ومعالجتها في وادي لامارتين، تنظّم بلدية بيت مري اليوم جلسة استماع علنية يطرح فيها المعترضون هواجسهم حول المشروع الذي تثار حوله علامات استفهام كبيرة، سواء لجهة طريقة التلزيم التي تشوبها شوائب قانونية، أو ــــ وهو الأهم ــــ لجهة الموقع المقترح لإقامة المشروع في قلب الوادي الأثري.

المعترضون يؤكدون أن مشروع معمل فرز النفايات لُزّم، من دون دفتر شروط ولا استدراج عروض، إلى شركة لبنانية وليدة وشركة أم إيطالية لا يوجد في سجّلها مشاريع بهذا الحجم. ويتساءل هؤلاء عن سبب الحماسة البالغة التي يبديها رئيس البلدية وقسم كبير من أعضائها للإسراع في تنفيذ المشروع والحصول على التواقيع اللازمة من الوزارات المعنية.
ويلفت هؤلاء الى أن طاقة معمل الفرز والمعالجة المطروح تصل الى 400 طن يومياً فيما لا تنتج البلدة أكثر من 15 طناً يومياً ولا مصلحة لها بإنشاء معمل بهذا الحجم يستقبل نفايات غيرها من بلدات المتن، خصوصاً أن الموقع هو وادي بيروت الذي يجب أن يكون محمياً من أي تدخّل صناعي وفق (ما كان) تصنيفه بحسب التنظيم المدني قبل تعديله بقرار من الأخير. ويتخوّف المعترضون من عمليات الفرز والتسميد والحرق ومصير العوادم، ومن أعداد الشاحنات المولجة نقل هذه الكميات من النفايات في طريق ضيّق بين بعبدا والمتن. بينما تردّ مصادر البلديّة على ذلك كله بأن أي كمية أقل من النفايات «لا توفّي» مع الشركة.
الدراسة الكاملة لمعمل فرز ومعالجة النفايات على العقارين 3326 و3327 من منطقة بيت مري، موجودة على الموقع الالكتروني للبلدية، وهي تظهر بشكل واضح الموقع المنوي إنشاء المعمل فوقه، وتبيّن «بوقاحة» الأرض الحرجية الخضراء التي يستهدفها المشروع بموازاة طريق المتن ــــ بعبدا بعد المونتي فيردي، في منطقة وادي نهر بيروت، المعروفة بوادي لا مارتين الأثري المحمي بالخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية. أما لجهة المياه الجوفية فتشير الدراسة صراحة إلى «أن الموقع المقترح يقع في جسم صخري أو طبقة من الرواسب عالية النفاذ، وهذا يعني أن أرضية المصنع يجب أن تكون معزولة بشكل جيد لتجنب أي تسرّب عرضي من الوصول إلى الطبقة السفلى وتلويث المياه الجوفية». لكن من سيراقب كلّ ذلك في بلد اعتاد أن تبقى الشروط حبراً على ورق العقود؟ كما تدّعي الدراسة إجراء تقييم الهيدروجيولوجيا وطبقات المياه الجوفية وشبه الخزانات المائية والينابيع والآبار والبحيرات في الموقع، وتخلص الى «أن نهر بيروت هو أقرب نهر إلى منطقة المشروع»، من دون أن يكون واضحاً كيف تنوي حمايته من العصارة والرواسب.

عقد إيجار بلا دفتر شروط
عقد الإيجار الموقّع بين بلدية بيت مري ممثلة برئيسها المحامي روي أبو شديد وشركة «Bioener بيت مري» ممثلة برئيس مجلس إدارتها جورج سليم عسلي، بغية إنشاء معمل لفرز ومعالجة النفايات العضويّة والصلبة، هو في الواقع عقد شراكة بين القطاعين العام والخاص، وتالياً يتوجّب وفق هذا النوع من الشراكة، بحسب المعترضين، وضع دفتر شروط واستدراج عروض، الأمر الذي لم يحصل على اعتبار أبو شديد نفسه في أكثر من تصريح «أنه لم يجد أفضل من هذه الشركة». ويتّضح أن عقد الإيجار يشكّل دفتراً للشروط بشكله الحالي، وعليه يبقى على ديوان المحاسبة رفضه وردّه كما يرجّح المعترضون.

المعترضون يؤكدون أن المشروع لُزّم من دون دفتر شروط ولا استدراج عروض


وينصّ العقد على أن الفريق الثاني، أي شركة «Bioener بيت مري» هي شركة متخصصة في مجال فرز ومعالجة النفايات العضوية والصلبة (أنشئت قبل نحو شهرين في لبنان ولا نتائج عنها في السجل التجاري، سوى شركات للمالك نفسه في مجال العقارات والأغذية والتدفئة والتبريد بعضها أشهر إفلاسه) وتابعة لمجموعة «Bioener إيطاليا» المتخصصة في مجال معالجة النفايات على أنواعها (أنشئت عام 2010، متخصصة وفق موقعها بإنشاء محطات الهضم اللاهوائي، وفي سجّلها مشروعان فقط). ويشير العقد صراحةً إلى أن «Bioener بيت مري» أُسست «بغية إنشاء وتجهيز وإدارة وتشغيل المعمل الذي ترغب بلدية بيت مري بإنشائه». ووفقاً للعقد فإن البلدية عرضت على الشركة إنشاء المعمل عن طريق تقديمها مساحة تعتبر ملكيّتها مشاعاً للبلديّة لا تزيد على 60 ألف متر مربع عن طريق الإيجار في العقارين 3326 و3327 (في حين توضح دراسة الأثر البيئي أن المساحة الإجمالية للعقارين توالياً هي 70 ألف متر مربع و86 ألف متر مربّع)، وذلك مقابل أن تقوم الشركة اللبنانية بالتعاون مع الشركة الإيطالية الأم بإنشاء وتجهيز وإدارة معمل لمعالجة النفايات. ويؤكد العقد أن الفريق الأول، أي البلدية، استحصل على موافقة أوّلية من وزارة البيئة (آب 2017) بشأن التقنية المعتمدة من قبل الشركة الإيطالية وستعتمدها الشركة اللبنانية في المشروع، وموافقة الوزارة نفسها في شباط 2018 على تقرير الأثر البيئي. كما يشير العقد إلى أن البلدية استحصلت من المجلس الأعلى للتنظيم المدني على قرار بتعديل تصنيف العقارين المذكورين، وهذا الأمر في حدّ ذاته موضع جدل كون تعديل التصنيف أتى بقرار لا بمرسوم، لتصبح وجهة استعمالها صناعية (I2) لفرز النفايات وإعادة تدويرها من دون أن يشمل التصنيف المعالجة التي هي وظيفة المعمل المزعوم. وهذا ما استند إليه فريق من المعترضين تقدّم باعتراض خطّي على إنشاء المعمل قبل أقلّ من شهر أمام الوزارات المعنيّة.

تراض على حساب البيئة
وفي حين يبيّن عقد الإيجار أن الشركة سلّمت البلدية إفادة برقم تسجيلها لدى المالية (غير موجودة في السجل التجاري)، فإن عقد التراضي هذا مدته 12 سنة قابلة للتجديد، وعليه يكون الإيجار السنوي على الشكل التالي: تدفع الشركة 10 دولارات مقابل كل طن يتمّ استقباله في المعمل في السنوات الثلاث الأولى، ويرتفع إلى 15 دولاراً في السنوات التسع المتبقيّة. ويبيّن العقد أن كلفة معالجة الطن الواحد هي 50 دولاراً تدفعها البلدية، مع حسم الحصة العائدة لها وهي 10 دولارات، مما يعني أن الطن سيكلّف البلدية 40 دولاراً، وهي كلفة أقلّ بكثير مما تفترضه معامل مشابهة في لبنان. في هذه الحال تفترض البلدية أنها ستجني مليوني دولار سنوياً وتستخدم هذه الحجّة في وجه المعترضين، لكن من أين للبلدية هذا الربح في حين أن الإيجار هو بدل إنشاء المعمل؟ كما يعود للشركة، وفق العقد، التصرّف بما ينتج من المعالجة لا سيما السباخ والمواد القابلة للتدوير، والتصرف بمخلفات النفايات المعالجة والترسبات والبقايا والتعامل بشأنها مع معامل مخصصة لهذه الغاية، فيما الطاقة التي يتم إنتاجها من المعالجة تستعمل لتشغيل المعمل أولاً وإضاءة الطريق المؤدي إليه، أما في حال وجود فائض فيكون بالدرجة الأولى لبيت مري، لكن مقابل أن تدفع البلدية الثمن نفسه الذي تدفعه مؤسسة كهرباء لبنان لشراء الكهرباء… ولذلك أيضاً شرطه، أي أن العمليّة لا تتمّ وفق العقد إلا بعد تأمين البلدية للشبكة اللازمة لهذه الغاية، وإلاّ يحقّ للشركة مراجعة مؤسسة الكهرباء لبيعها الفائض! فأين أرباح بلدية بيت مري المزعومة وكيف تدّعي أن المشروع يؤمن بالضرورة الكهرباء لبيت مري؟
وبغضّ النظر عن الأرباح، فإن شركة «Bioener» تلتزم على نفقتها بناء وتجهيز المعمل بما يشمل أعمال استصلاح المساحة المؤجرة والحفر وتأمين الآلات والتجهيز في مدة أقصاها 30 حزيران 2020، بكلفة 50 دولاراً للطن الواحد الأمر الذي يستدعي السؤال حول القيمة المضاعفة التي يتقاضاها غيرها من المعامل في المجال نفسه. وفي حين حددت مدة العقد بـ 12 سنة قابلة للتجديد، أي أنه لا يتأثر بتغيّر المجلس البلدي، تعهّدت الشركة تشغيل 35 في المئة من العاملين من بيت مري وجوارها. والى ذلك كله، فإن ضمانة عقد التنفيذ هي ثلاثمئة ألف دولار مقابل مشروع تصل كلفته إلى 50 مليون دولار، وهذا يعتبر بحدّ ذاته بنداً فاقعاً. ووفق العقد، تتحمّل الشركة منفردة الضرائب المالية والرسوم البلدية، وتلتزم بترحيل المواد التي تنتج بعد عملية الفرز والمعالجة من أي نوع كانت إلى خارج النطاق البلدي لبيت مري، من دون أن ننسى أن المكان الأقرب إلى المعمل هو نهر بيروت، الأمر الذي يطرح السؤال حول وجهة العصارة والرواسب وإن كان مصير المعمل سيكرّر مشهد صيدا وبرج حمود.
وفي حين يلتزم الفريق الثاني، أي الشركة، بترحيل جميع المواد التي تنتج عن عملية التفكك الحراري من أي نوع كانت خارج نطاق البلدية وعلى عاتقه، يسأل المعترضون عن مخلّفات 400 طن في اليوم ورواسبها وأين يمكن تصريفها ومن سيراقب كل تلك العملية.



رئيس البلدية: الوادي ليس أثرياً

أكّد رئيس بلدية بيت مري المحامي روي أبو شديد لـ «الأخبار» أنه «لن يتمّ استخدام كامل مساحة العقارين الإجمالية أو الـ150 ألف متر مربع بعدما أصبحت مصنفة وفق الأصول إلىI2 كمنطقة صناعية فئة ثانية، بغرض إنشاء المعمل حصراً، وتالياً إذا لم ينفّذ المعمل لا يمكن استخدامها لأغراض أخرى»، ولفت الى أن مساحة الأرض المنوي إنشاء المعمل عليها هي «35 ألف متر مربع كحدّ أقصى مع احتساب أن مسافة 25 متراً عمق من كل الجهات لا يمكن البناء عليها»، إضافة إلى «أن جزءاً كبيراً من المساحة غير مسطّح». وعن عدم استدراج العروض، لفت أبو شديد إلى أن البلدية حصلت على «عرض من الشركة نفسها قبل عامين وعرض آخر قبل عام من شركة أخرى لكن وزارة البيئة وافقت على العرض الأول». ويأخذ رئيس البلدية من «المادة 147 من قانون المحاسبة» ذريعة للقول إن «التخصص الذي حصلت عليه البلدية بعد موافقة وزارة البيئة يمنحها الحق بإقامة عقد تراض». ويشدد على «أن وادي لا مارتين ليس أثرياً» على اعتبار أنه «لا يبعد كثيراً عن أكبر كسارة في المنطقة ومعامل للحديد والبلاط وغيرها من المعامل ومكب الردميات السابق». وأشار إلى أن «معمل الفرز الحالي يستقبل نحو 17 طناً باليوم من نفايات بيت مري ويبعد نحو كيلومترين عن مكان المعمل المنوي إنشاؤه، وسيتوقّف عن العمل بعد إنشاء الأخير وسيتمّ معالجة الأرض المقام عليها وإعادة استصلاحها وتشجيرها». وإذ أقرّ بأن المعمل القديم يسبب انبعاثات وروائح، وعد بأن يستوفي المعمل الجديد في حال تنفيذه «شروط الفرز المتطورة، والهضم اللاهوائي مقابل استخراج أسمدة وكهرباء بعد عملية طويلة وغربلة». وفي ما يخصّ كلفة الطن فإنها «ستتراجع من 62 دولاراً مع المعمل الحالي إلى 40 دولاراً وأقلّ لبلدية بيت مري وحدها مع المعمل الجديد، إضافة إلى استفادتها مما تدفعه بلديات أخرى»، وهنا يحتسب الرئيس أن بدلات الإيجار والرسوم البلدية التي تدفعها الشركة يصل إلى كلفة «صفر» للمعالجة. وقال إن الشركة اللبنانية أنشئت بعد موافقة المجلس البلدي مجتمعاً في نيسان الماضي، «لأن إنشاء شركة شقيقة للشركة الأجنبية أو فرع لها ضروري ولا يمكن حصوله قبل أخذ الموافقة». غير أن الإجماع في المجلس البلدي شهد تحوّلاً إلى اعتراضات قبل نحو شهر مع سحب بعض الأعضاء موافقتهم على المشروع.