لا ينتظر التجار وأصحاب المؤسسات في البقاع، إعلاناً رسمياً لانتهاء الحرب السورية أو لانطلاق ورشة إعادة إعمار سوريا. المشاركة اللبنانية الكثيفة، لا سيما البقاعية، في معرض دمشق الدولي في السادس من أيلول المقبل، تشكل مؤشراً لافتاً للانتباه، خصوصاً في ظل تهافت عشرات الشركات اللبنانية والعربية والأجنبية لحجز أمكنة لها في المعرض. مجدداً، يلعب القدر لعبته ليثبت أن لبنان وسوريا توأمان اقتصاديان لا ينفصلان.

في انتظار تفاهم السلطات الأردنية والسورية على موعد لإعادة افتتاح معبر نصيب الحدودي بعد ثلاث سنوات من إقفاله، وهو تفاهم يفترض أن يتجاوز المعبر بذاته، ليلامس التطبيع السياسي والاقتصادي الكامل بين البلدين. هل يكون للبقاعيين نصيب من «نصيب»؟.
يؤكد أمين المال في غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع محمد بكري أن إعادة فتح معبر نصيب بين الأردن وسوريا يشكل بداية الاستعادة الجزئية لأيام العز التي شهدها خط الشام بفضل سوريا ومن خلالها بفضل دول الجوار. الفضل كبير على البقاعيين، ومن تجلياته تسمية الطريق بين بيروت والبقاع بـ«طريق الشام الدولية» قبل أن يختصر بعد انسحاب الجيش السوري عام 2005 ويصبح «خط الشام». الحركة الاقتصادية منذ ذلك الحين صارت تضيق تدريجاً، إلى أن انعدمت تقريباً خلال الأزمة السورية. اليوم، يضيف بكري، يتحضر كثيرون للاستفادة من إعادة الإعمار وفتح المعبر إلى الأردن ودول الخليج.
كيف يترجم ذلك حالياً على الأرض؟ ثمة حضور متزايد لشركات محلية وأجنبية في مدينة زحلة وجوارها وصولاً إلى المصنع. شركات تجارة وصناعة مواد بناء ومقاولات وأخشاب وحديد وسيارات وآليات تنشط لاستئجار مستودعات ومخازن للبضائع ومكاتب أو عقارات شاغرة في البقاع الأوسط. يربط أهالي المنطقة تلك الحركة بتجهيز البنى التحتية للمشاركة في ورشة إعمار سوريا، خصوصاً في ظل ما أصاب البنى التحتية هناك وما أصاب القطاعات الصناعية والتجارية السورية من خسائر، فضلاً عن هروب رساميل واستثمارات وتضرر مناطق صناعية هامة مثل عدرا وحرستا. هذا هو الواقع، بعيون بقاعية ولبنانية، ولو أن حسابات السوريين مختلفة لمن سيكون شريكهم في ورشة إعادة الإعمار، كما في نظرتهم لأوضاعهم الحالية.
الواقع السوري المستجد يفرض، وفق مسؤول رسمي في زحلة (رفض ذكر اسمه)، «تحول طريق بيروت ــــ الشام إلى خط إمداد وتحول المنطقة الممتدة من زحلة إلى المصنع إلى غرفة عمليات آمنة، أي في موقع وسطي بين مرفأ بيروت حيث ترسو البضائع المستوردة وبين الأراضي السورية إلى حيث تنقل تلك البضائع».

سجل قبل عامين، افتتاح معمل ضخم للأخشاب وآخر للإسمنت في منطقة البقاع


بعض أصحاب العقارات في البقاع بنوا «هنغارات» جاهزة وعرضوها للإيجار بسعر أغلى من الواقع الحالي. منهم من فضل الانتظار حتى تنجلي الصورة السورية سياسياً وأمنياً في غضون مرحلة قريبة جداً. في هذا الإطار، سجل في المنطقة، قبل عامين، افتتاح معمل ضخم للأخشاب وآخر للإسمنت. بحسب أحد كبار التجار، ينقسم المهتمون محلياً بين من يطمح إلى مشاركة مباشرة في الإعمار، من خلال الفوز بمشاريع وتوظيف استثمارات وبين من يريدون لعب دور الوسيط بين الشركات الأجنبية والسوريين.
ما لا يدركه كثيرون هو أن تفعل السياسة فعلها. يذكّر أحد السياسيين بواقع الجفاء أو العدائية في العلاقة بين بعض أهالي المنطقة والسوريين بعد عام 2005، تاريخ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان. حينذاك، وحتى بدء الأزمة السورية في عام 2011، كان رد فعل عدد كبير من السياح والتجار السوريين عدم التعامل مع تجار وصناعيين ومستثمرين محسوبين على فريق 14 آذار، فكيف مع الأزمة السورية ونهر الدم الذي سال في سوريا على مدى سبع سنوات؟ هل تكون السياسة خارج حسابات السوريين؟ يجيب أحد التجار الذي ظل يتردد على دمشق حتى يومنا هذا أن السوريين لن يتساهلوا في ورشة إعمار بلدهم، وثمة أولويات مختلفة عن تلك التي يضعها في الحسبان البعض سواء في لبنان أو في غيره من البلدان. يستفيض في الحديث قائلاً: لن يسمح السوريون لمن كان شريكاً في التآمر على بلدهم وتدميره بأن يكون شريكاً في الإعمار. المسألة سياسية بامتياز وليست مجرد اقتصاد وأرقام واستثمارات.

تحسن الصادرات البقاعية
كما كانت سوريا السبب في افتتاح مصالح في البقاع، بينها العديد من المطاعم وفروع المصارف ومحلات الصرافة والمحال التجارية، كانت السبب في إقفال معظمها إثر تراجع الأحوال على «خط الشام». محلا ألبان وأجبان بديعة مصابني ونصار لم يصمدا أكثر من سنة بعد اندلاع الأزمة في سوريا (2011). سبقهما إلى الإقفال كازينو عقل، أحد أقدم مطاعم المنطقة. الإقفال كان مصير محال أخرى لبيع الألبان والأجبان وسوبرماركات ومحال لبيع لوازم الصيد ومطاعم ومكاتب الاستيراد والتصدير والشحن وتخليص المعاملات في العديد من مناطق البقاع الواقعة على خط بيروت ــــ دمشق.
لكن القطاع الزراعي بقاعاً كان المتضرر الأكبر بعد إقفال طريق التصدير البري (معبر نصيب) واستبداله بالشحن البحري ذي الكلفة العالية والذي اقتصر على الخضر والفواكه الطازجة. الأزمة السورية رفعت بدلات بوالص تأمين التصدير، فيما وقع عدد كبير من التجار في عجز مالي أنتج ظواهر ربا ودين، فضلاً عن أن تلوث نهر الليطاني وصدور قرار عن محافظة البقاع بمنع ري المزروعات منها، أدى إلى ضرب سمعة الزراعات البقاعية وروّج للمزروعات السورية الأقل تلوثاً بالنسبة للكثيرين حتى في زمن الحرب.
في تقريرها السنوي عن عام 2017، وجدت غرفة تجارة وصناعة وزراعة زحلة ومحافظة البقاع بأن الوضع على رغم سوئه، تحسّن بالمقارنة مع الأعوام الماضية. إذ بلغت قيمة الصادرات الإجمالية (المصادق على منشئها لدى الغرفة) لعام 2017 نحو 446 ملياراً و451 مليون ليرة لبنانية مقابل 428 ملياراً و201 مليون ليرة لعام 2016، أي بتحسن مقدراه 18 ملياراً و250 مليون ليرة ونسبته 4.26 في المئة.
في التفاصيل، تحسنت الصادرات الصناعية بقيمة 10مليارات عام 2017، أي ما نسبته 8.27 في المئة عن عام 2016. أما الصادرات الزراعية (نسبتها 65.69 في المئة من مجمل الصادرات)، فقد سجلت عام 2017، ما قيمته 293 ملياراً و262 مليون ليرة مقابل 284 ملياراً و59 مليون ليرة للعام 2016، أي بتحسن مقداره نحو 9.2 مليار ليرة، أي ما نسبته 3.2 في المئة. والسبب تصدير سلع زراعية جديدة مثل الأغنام والماعز الحي والأسماك الحية ونباتات الزينة والجلود والحبوب والأفوكادو والقشطة. فيما تصدرت الصادرات، البطاطا والفواكه والخضار.
إقفال المعابر نحو سوريا، دفع ببعض كبار التجار إلى الانفتاح على أسواق جديدة منها البرازيل ودول آسيا وأميركا الجنوبية وهولندا، إلى جانب مصر التي احتلت المرتبة الأولى بين المستوردين والسعودية في المرتبة الثانية.