عندما وضع كمال الصليبي تاريخه للبنان الحديث، في ستينيات القرن الماضي، لم يكن هناك في المنطقة نشاط حربي بارز للوهابيين (أقلّه خارج جزيرة العرب). كان ذلك قبل الانبعاث الكبير لهؤلاء بنُسَخهم الآتية على شكل «داعش» وما شاكل. ربّما لذلك نجد المؤّرخ لا يتوقّف مليّاً عند أفعال هؤلاء في بلاد الشام، قبل نحو قرنين، فضلاً عن علاقة (بعض) اللبنانيين بتلك الأحداث... أو الذين سيُعرفون لاحقاً باللبنانيين. يورد الصليبي، ضمن أحداث عام 1810، أنّ بشير الثاني الشهابي، الذي كان وقتذاك في أوج نفوذه، قد «سمح لنفسه بإرسال عساكره لشدّ أزر العثمانيين في مناطق أخرى» (خارج جبل لبنان). يقول: «زحف (بشير) بـ 15 ألفاً مِن رجاله إلى دمشق للدفاع عن المدينة، مع المدافعين، ضدّ هجمات الوهابيين». لم يكشف المؤرّخ هويّة كل أولئك «المدافعين». خلف تلك العبارة الكثير مِن التاريخ، الذي، ويا للأقدار، سيكون له أن يتّصل بالحاضر بنحو عجيب... حاضرنا.


لبنان دفاعاً عن دمشق
يشرح الصليبي هويّة أولئك الغزاة، الآتين مِن نجد، حيث «كان الوهابيّون فرقة إسلاميّة مِن أتباع محمد بن عبد الوهاب، وهو المُصلح السُنّي الذي نشط في نجد، مِن الجزيرة العربيّة، في النصف الثاني مِن القرن الثامن عشر (...). فما إن جاء القرن التاسع عشر حتى أخذ الشعور بوطأة الوهابيين يتجاوز حدود الجزيرة العربيّة، خصوصاً بعدما نهب هؤلاء مدينة كربلاء في العراق (1801) واحتلوا مكّة (1803) والمدينة (1804) في الحجاز. وفي عام 1805 زحف الوهابيّون على العراق وبلاد الشام، وأصبحوا في 1810 على مقربة مِن دمشق».
نعم، هي دمشق، أو بلاد الشام عموماً. حلم تاريخي لأولئك الغزاة لم يكن لهم أن يسقطوها. استفاض المؤرّخون كثيراً في ذكر أفعال هؤلاء في الجزيرة وفي العراق، لكن، وإلى اليوم، لا يزال الغموض يلف الكثير مِن أفعالهم في بلاد الشام التي وصلت، آنذاك، إلى حلب وجوارها. عندما أصبحوا على مقربة مِن دمشق، عام 1810، وجد الولاة العثمانيّون أنفسهم أمام حرج كبير في العالم الإسلامي، خصوصاً بعدما منع الوهابيّون الحجّ عن الناس، في الشام تحديداً، على مدى سنوات. طلب الولاة مِن بشير الثاني المساعدة لردّهم، بعدما جاسوا في حوران وتهيّأوا للتقدّم، فكان ذلك، حيث اضطّر الوهابيّون أن يتراجعوا إلى بلادهم. حصل ذلك قبل أن تُكسَر شوكتهم بعد سنوات، بضربة (غير) قاضية، على يد والي مصر محمد علي باشا.
في تلك الحقب التاريخية، لم يخرج في لبنان، أو ما سيُعرف لاحقاً بلبنان الكبير، مَن يُشنّع على بشير الثاني ذهابه خارج الحدود (المفترضة) لمقاتلة الوهابيين. لم يكن آنذاك مَن يتحدّث عن «نأي بالنفس» وما شاكل. لم يكن في تلك الأيّام حزب الله أو «تدخّل إيراني». منذ دهر وأبناء هذه المنطقة يُدركون أنّهم جزء مِن هذه المنطقة. لطالما كانت هذه بداهة تُدرَك بالسليقة.

العامليّون ينزفون دفاعاً
عموماً، ما لم يفصّله المؤرخ كمال الصليبي في تاريخه الموجز للبنان، سنجده عند المؤّرخ إبراهيم العورة، المعاصر لتلك الأحداث وكاتب سيرة والي عكّا سليمان باشا (الذي وصفه بـ «العادل» في عنوان كتابه، وعلّق عليه الخوري قسطنطين الباشا المخلصي). سليمان باشا هذا كان هو مَن أرسل إلى مختلف الجهات، التي تحت سُلطته، لملاقاته في محيط طبريّة (الجليل) بغية التوجّه إلى دمشق للدفاع عنها. كان بينه وبين والي دمشق، العثماني، الذي فشل سابقاً في ردع الوهابيين عن حدود ولايته، مشاحنات و «قلوب مليانة» والآن جاءت الفرصة للفوز بالبطولة أمام الباب العالي في «إسلامبول» (استنبول). يكتب العورة في أحداث عام 1224 هجريّة (1810م) تحت عنوان «غارة الوهابي على الشام» أنّه: «تحرّك الوهابي بجيوشه الكثيرة وحضر بها مِن بلاد الحجاز قاصداً الاستيلاء على إيالة الشام ثم على بقية برّ الشام». وصل الغزاة فعلاً إلى المزيريب (ضمن درعا اليوم). تفاصيل كثيرة تروى عن مراسلات طلب النجدة مِن والي دمشق (يوسف باشا) إلى والي عكّا. الأخير، أيّ سليمان باشا، يتصرّف هنا بطريقة تجعلنا نفهم شيئاً مِن طبيعة الحكم وتوازناته في بلادنا، مِن الجليل، وضمنه وما بعده جبل عامل، وصولاً إلى جبل لبنان. أرسل إلى بشير الثاني، أمير جبل لبنان، أن يحضر بعساكره.
يكتب العورة في تاريخه أنّ سليمان باشا «وعلى هذا المنوال، حرّر إلى الشيخ فارس الناصيف، شيخ مشايخ المتاولة (في جبل عامل)، أن يجمع كامل رجال العشائر المترئّس عليها، ويحضر بهم إلى صحراء طبرية». وبالفعل، كان له ما طلب. هبّ «المتاولة» (اللقب الذي كان يُعرف به الشيعة الأثني عشريّة في جبل عامل، ولاحقاً لبنان، على وجه التحديد) ولاقوه عند طبريّة. زحفوا نحو دمشق. دافعوا عن أسوارها. لم تسقط دمشق. ما أشبه اليوم بالأمس. إشارة مهمّة إلى كون والي عكّا راسل شيخ مشايخ جبل عامل كما راسل بشير الثاني في جبل لبنان. كلّ على حدة. هذه تُشير إلى كيانيّة «المتاولة» آنذاك، بعيداً عن «أسطرة» المؤرّخين لأدوار بشير الثاني. كم ضخّم ذاك التاريخ وكم مِن مؤرّخ وباحث ومستشرق، لاحقاً، لاحظوا ذلك ودوّنوه (تحديداً تجاه تهزيل دور العامليين وشأنيتهم). إشارة أخرى إلى أن جبل عامل، في زمن تلك الهبّة نحو دمشق للدفاع عنها، كان لا يزال مكلوماً مِن الأفعال الرهيبة، التي فاقت فظاعة كلّ ما حصل في ذاك الزمان، على يد أحمد باشا الجزّار. الأخير فعل بالعامليين ما فعل مِن مجازر، وهو الوالي العثماني، ثم بعد رحيله، وبعد سنوات الجوع والتشرّد إزاء مقاومته، كانوا في طليعة مَن لبّوا نداء الدفاع عن «المنطقة». الآن يُعضَ على الجرح. توضع ثورات «الطيّاح» جانباً. كان مصير الجميع يومها على المحكّ. المنطقة في خطر تحويل هويّتها. في تاريخ «الشهابي» (حيدر)، الذي عاصر أحداث تلك الحقبة أيضاً، يرد ذكر تلك الواقعات المشار إليها، إنّما بتفصيل مختلف بعض الشيء عكس ما فعله المؤرخ إبراهيم العورة (المعاصر أيضاً) في تاريخه. ذلك، مع افتراض حُسن النوايا، يكون ربّما لقرب الأخير مِن سليمان باشا، بل لكونه كاتب سيرته، والمقيم كذلك في عكّا.

مِن «مسرحيّات» الحُكّام
على بساطته، كما كان يصفه المؤرخ الشيخ علي الزين، ترك لنا المؤرّخ العاملي الركيني مخطوطة حفظت بعض ما سقط مِن مخطوطات الآخرين. لولا ما كتبه في «جبل عامل في قرن» (المنشور لاحقاً في مجلة العرفان)، لما علمنا بأنّ هناك مِن قضى مِن بين العامليين الذي زحفوا إلى دمشق للدفاع عنها. الركيني كان معاصراً لتلك الأحداث. كتب بلغة عصره. كان يعيش في جبل عامل ويخبر أحوال قومه. إذاً، بعد طرد الوهابي مِن الشام، وبأمر مِن الباب العالي، كان القرار بأن يُصبح والي عكّا هو الوالي على دمشق أيضاً، بعد عزل الأخير لفشله ولإحراجه الدولة العليّا حيال الوهابيين الذين صدّوا طريق الحج وارتكبوا المجازر ونهبوا وأحرقوا ودمّروا. حصلت مناوشات بين الواليين. الخلاصة، يُخبرنا الركيني أنّ مِن العامليين الذين التحقوا بجموع المدافعين عن دمشق، سُجّل «مقتل أحمد بن عباس المحمد مِن المتاولة، ومعه اثنان مِن أولاد متيرك». كان محمد جابر آل صفا، في تاريخه العاملي وسواه، يُحبّ أن يورد دوماً زجليّة لأحد العامليين قالها إثر الظفر في معركة شهيرة، ومِنها: «لبني متوال ظهر العاديات ... مِن متون الخيل يمضون الصقال».
عموماً، لم يُكافأ العامليون، مباشرة، بردّ سائر أملاكهم وأراضيهم التي كان سلبها الجزّار منهم سابقاً. كانوا قبل ذلك في ذروة مجدهم زمن شيخ مشايخهم ناصيف النصّار العاملي. حصلت مراسلات بين بشير الثاني ووالي عكا سليمان باشا، لهذه الغاية، إنّما بلا جدوى. هذه يصفها الشيخ علي الزين في «فصول مِن تاريخ الشيعة في لبنان» بأنّها «مسرحيّة» مِن خلف ظهر العامليين. كان الزين لمّاحاً، لا «يقبض» بشير الثاني كثيراً، بل «مُلاحِظاً» للتفاصيل (بحسب تعبيره). لم يبالغ أحمد بيضون، الذي قدّم كتابه، إذ وصفه بأنّه «مؤرّخ الطائفة المُعَارض ومؤرّخ الدولة الغريب». اللافت أن أكثر الذين أرّخوا لتاريخ الشيعة في لبنان، وجبل عامل تحديداً، مِن الشيعة والعامليين أنفسهم قبل سواهم، لم يتوقّفوا عند تفصيل خروج العامليين مِن أرضهم للدفاع عن دمشق قبل نحو قرنين ضد الوهابي (مثل محمد جابر آل صفا في: تاريخ جبل لبنان، وكذلك سعدون حمادة في: تاريخ الشيعة في لبنان). لولا بضع مخطوطات قديمة لضاع هذا الأثر، كما ضاعت الكثير مِن آثار تلك البلاد، وتواريخها، التي ابتلعتها أفران الجزّار حرقاً في عكّا. هذه البقعة التي لم يؤرّخ لها أحد إلا وتوقّف عند تلك «القطيعة الزمنيّة» (غير المفهومة ـــــ على رغم المحاولات) في التأريخ لها.

لجوء نصارى ودروز الشام
مسألة التشابه، حدّ التطابق، في المشهديّة بين العصرين، وبتفاصيل أوفى حول أحوال بعض الطوائف الدينيّة، يسردها كمال الصليبي في «تاريخ لبنان الحديث». فيه يورد أنّه «كان قد رافق ظهور الوهابيين في بلاد الشام (مطلع القرن التاسع عشر) مزيد مِن الضغط مِن جانب الولاة على النصارى وسائر الطوائف مِن غير أهل السُنّة في الداخل. ولربما كان بعض ذلك لتهدئة خواطر الغزاة الوهابيين الشديدي التمسّك بالسُنّة. أمر الولاة بزيادة التشديد في تطبيق أحكام الشريعة، خصوصاً في معاملة غير المسلمين، فأعادوا العمل بالقيود القديمة المفروضة على النصارى واليهود، بما في ذلك «الغيار»، أي التمييز المهين في الملبس وغيره. وأمام هذا الضغط نزح عدد غفير مِن نصارى بلاد الشام إلى لبنان، أو قل إلى بيروت، فأصبحت هذه المدينة، مِن جديد، مركزاً تجاريّاً كبيراً». بمعنى ما، ولمن يحب أن يراها مِن هذه الزاوية، فهذه لعلّها إيجابيّة غير مقصودة مِن التأثير الوهابي في النشاط التجاري لبيروت. الوهابيّون الجدد، الذي أتوا بصيغة «داعش» أخيراً، غيّروا أيضاً في الحركة التجاريّة للمنطقة ففُتِحت معابر وأغلقت أخرى، وهكذا. ويُكمل الصليبي: «وشجّع بشير الثاني، مِن جهة، هذه الهجرة المسيحيّة (مِن سوريا إلى لبنان) وفتح أبواب البلاد في وجه اللاجئين. ثمّ إنّه دعا الدروز المضطهدين في منطقة حلب إلى الاستيطان في الشوف والمتن، وتقاسم مع الشيخ بشير جنبلاط نفقات نقلهم إلى لبنان في عام 1811». وكأنّها أحداث جرت على دروز السويداء وجبل السماق بريف إدلب تحديداً، في أيّامنا، مطلع الألفيّة الثالثة!

أهوال بين حلب وبغداد
مِن جهة الوهابيين، فإنّه لم يفت مَن أرّخ لهم، في تلك الحقبة، أن يذكر (بعض) ما حصل في ذاك العام. في «عنوان المجد في تاريخ نجد» لكاتبه عثمان بن بشر النجدي الحنبلي (كما يصف نفسه)، يورد في أحداث ذاك العام (الذي يُحدّده بـ 1225 هجري) أنّ «سعود غزا غزوة المزيريب (الواقعة في سوريا على طريق الحج بين دمشق ومكّة). خرج مِن الدرعيّة وقصد نقرة الشام المعروفة (...) فسار سعود في تلك الناحية، الغور مِن حوران، وأقبل فيها وأدبر واجتاز بالقرى التي حول المزيريب وبصرى، فنهبت الجموع ما وجدوا فيها مِن المتاع والطعام، وأشعلوا فيها النيران... ثم نزل عين البجّة، وروى (شرب) مِنها المسلمون (هم فقط المسلمون أمّا سواهم، مِن المسلمين، فهم الكفّار ـــ المؤرّخ هنا، أي ابن بشر، هو المؤرخ الرسمي للسعوديّة ـــ الوهابيّة آنذاك)».

انطلق العامليّون بقيادة شيخ مشايخهم فارس الناصيف إلى طبريّة قبل التوجّه إلى دمشق


يضيف المؤرّخ الوهابي: «وشربت خيلهم وجيوشهم... ثم رحل، سعود، إلى بصرى وبات فيها. ثم رجع قافلاً إلى وطنه ومعه غنائم كثيرة مِن الخيل والمتاع والأثاث والطعام، وقتل مِن أهل الشام عدّة قتلى، وحصل في الشام رجفة ورهب عظيم بهذه الغزوة، في دمشق وغيرها مِن بلدانه وجميع بواديه». لا يتكلّم ابن بشر بأكثر مِن هذا. تفاصيل أخرى يوردها ابن الريكي، في كتابه «لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب» (الذي عثر على نسخة منه في بريطانيا وكذلك حقّقه سعوديّون ــــ وهابيّون في وقت لاحق)، فيقول في أحداث ذاك العام: «لمّا رأى سعود شأنه بالقوة أخذ يغزو نواحي الشام وحلب، وقطع السبل على المترددين، ولكنه لم يفتح مدينة أو قرية. نعم، كان يأخذ الرساتيق البعيدة وجهاً مِن المال، ثم بعد بدا له أن يمنع الزراع وأهل الرساتيق والبساتين النائية عن البلاد التي يصل غزوه إليهم، ظناً منه أنّه إذا فعل كذا ضاق المعاش على أهل الشام وحلب فسبّب تعطيل بعض الزروع والفواكه. وقطع أيضاً تردد قوافل بغداد إلى الشام وإلى حلب بالكليّة، وكان يصل غزوه إلى أرض القادسيّة مِن العراق». لولا أنّ هذه الأحداث، بحسب مَن أرّخها، تدور قبل نحو قرنين، لأمكن عدّها أحداثاً جرت قبل بضع سنوات في سوريا والعراق. كأنّها مشهديّة واحدة إنّما يُعاد عرضها بفارق نحو 200 عام.

المشهد الأخير؟
قبل نحو سنة، عندما ظهر «الحاج أبو مصطفى» في بادية الشام أمام الكاميرات، بعد فك حصار طويل مِن «داعش» وأخواتها، كنّا أمام مشهد أقرب إلى الملحمي. ذاك اللبناني، القيادي المُقاتل مِن حزب الله، الذي قطع تلك المسافة البعيدة ليُدافع عن دمشق وأكنافها، كان للبعض بمثابة الحبل المتّصل بأسلاف له، مِن جبل عامل، ذهبوا إلى دمشق وما حولها قبل نحو قرنين ليُدافعوا عنها... في وجه الوهابي نفسه. هذه المرّة ربّما هو الوهابي ومَن معه، مِن قريب وبعيد. آنذاك لم يمرّوا، واليوم، في المأساة، لم يمرّوا أيضاً، أماً غداً، ولو بعد قرن أو أكثر، فإن عادوا... تلك ستكون مِن صنف ما بعد المهزلة.