هو قائد استثنائي قاوم الحرمان والاحتلال معا، قدّم نموذجا فذّا للعمامة المسؤولة عن مجتمعها وقضاياه...لم يساوم في معركته ضد الحرمان بل قاتل حتى لا يبقى محروم واحد. قاوم بالسياسة فكان واسطة عقد أقرانه... جمعهم حينما اختصموا، نصحهم حينما اختلفوا، اعتصم في محرابه حينما أخذتهم العزة بالقتل في ما بينهم...قاوم بالعدالة الاجتماعية، فكان نبراس ولهفة المحرومين، حمل أوجاعهم وتحسس جوعهم حتى عدا كأحدهم. فكان صوتهم وكانوا يده، كان موجهم وكانوا بحره، قاوم بالعسكر، ووضع خطاً فاصلاً بين السلاح «الشينة» ــــ الذي أرهب العزّل من الناس وروّع سكينتهم ــــ وبين السلاح «زينة الرجال» الذي لا يخطئ عدوّته إسرائيل. قاوم بالفكر والمحبة والانفتاح كلّ العقول المنغلقة، والكهوف الطائفية البغيضة ودعا إلى إسلام موسى الصدر الذي استقاه من أسلافه الميامين الأطهار. إسلام القول والفعل. إسلام الحركة والنار. إسلام المحبة والحوار. إسلام السياسة عين الدين والدين عين السياسة. الإسلام الحركي الذي يجعل من «عمامة المحراب»، قدوة وقدرة وإرادة متحركة بين الناس، فحوّل مساحات الوطن المحرومة إلى أماكن عبادة، يبتهل بأكفهم المتشققة وأصواتهم الصادقة، فكانوا عصاه التي دكّت عروش الحرمان وجبروت الاحتلال.

كان داعياً وراهباً وقائداً وتاريخاً يمشي قبل أوانه، خطته مسيرته التي أبت إلا أن تكون شامخة كقامته، واعدة كعينيه... واجه المؤامرات وخاض المغامرات كفدائي واثق بربه، عارف بزمانه، والأهم مؤمن بشعبه.. فجعل منه ضياء يسطع على البٍرَ والفاجر، ومجاهدا لا ينتظر من أحد جزاء ولا شكورا.
أطلق «أمل» لتكون اسما لمستقبل ينتظر... أطلقها لتكون معبرا وقنطرة بين المغيب وشروقه. أراد للشيعة أن يكونوا لبنانيين واراد من لبنان أن يكون منصفا لهم. كان ثوريا أمينا لا يمكن أن تكسره إلا غيلة. لم يخف في الله لومة لائم، احتضن المقاومة الفلسطينية وصالح اليسار وتحاور مع الجبهة اللبنانية وحارب الإقطاع التقليدي، وساند سوريا وأحبّ عبد الناصر، وكره إسرائيل التي دعا إلى مقاتلتها بالأسنان عند فقدان السلاح، فلا سلام مع «الشرّ المطلق» والتعامل معها حرام.
بُحّ وهو ينادي لتوحيد الجهود والبندقية ضدّها، ولكنْ غيبوه في ليل حالك، وما عرفوا أن ضوء الشمس لا يُحجب، وأن موج البحر لا يهدأ، وأن بذرة الجهاد ما فتئت تنبت كل يوم جهادا وتضحية، فنراك سيدي في وجوه المحرومين والمجاهدين والمفقودين والشهداء. نستحضرك في أعيادنا التي أينعت انتصارات في شتى الميادين والساحات، فاستحال عمرك فينا عصرا لا ينتهي بغياب ولا يغيب بموت. فيا هناء من عاش عصرك.
طليع حمدان ـــ أستاذ جامعي