اليوم، تحتفل «الدولة» باليوم العالمي للمفقودين. تتلو بياناً للذكرى ثم ينتهي كل شيء. وحدهم أهالي المفقودين والمختطفين يحييون فقدهم في كل يوم، منذ 43 عاماً. من جهة، يترصّدون «خبريات» لا تحمل لهم في الغالب شيئاً. ومن جهة أخرى، لا يكلّون من مطالبة الدولة بحقهم في معرفة مصير مفقوديهم، من دون طائل. هذا الواقع المشحون بكل هذا الوجع، يدفع اليوم كثيرين لاتخاذ الخيار الأصعب: «دفن» أثر الشخص المفقود من خلال استصدار وثيقة وفاة له.

وحدها، عاشت «فقدين». في المرة الأولى، عندما ساقت الحرب ابنها إلى غير رجعة. حدث ذلك في العام 1986، على مقربة من سنوات «السلم». خُطِف طوني الشباب قبل أن يكمل عشرينه. خلّف رحيله حزناً ممتداً، لا تزال أمه «تواظب» عليه. في المرّة الثانية، عاشت أم طوني لوعة الفقد الأولى، عندما طلب منها ابنها نبيل أن تصدر شهادة وفاة لشقيقه. كانت تلك المرّة هي الأقسى. فرغم السنوات الطويلة التي تلت خطف ابنها، لم تشعر «بالفقد كما شعرت به حين طلبنا منها توفّي خيّ»، يقول نبيل. يروي الشاب، الذي بقي وحيداً، أن أمه قاومت بشراسة ذلك الطلب. لكنها، في لحظة ضعف استسلمت. هزّت برأسها موافقة، لأنها لم تعد تملك خيارات أخرى. هي اليوم تنتظر شهادة وفاة ابنها، بعدما ضاقت بها سبل العيش. ورقة ستضمن استمرارية علاجها من «خلال إمكانية الحصول على راتب طوني الذي كان موظفاً في مديرية الجمارك وقت اختطافه».
فعلت أم طوني ما فعلته رغماً عن قلبها، لكنها مضطرة أن تعيش هذا العزاء، في ظلّ دولة تهملهم منذ 43 عاماً. وكما فعلت أم طوني، كذلك تفعل عواطف الخطيب وأشقاؤها، إذ تنتظر هذه العائلة شهادة وفاة ابنها أيضاً لحلحلة قضية الأرض التي يملكونها مناصفة مع أقربائهم. هم مضطرون لـ«دفن» أثر شقيقهم من أجل إتمام معاملات حصر الإرث.

(مروان طحطح)

ليست أم طوني وعواطف آخر حكايا دفن الأثر المتبقي من الغائبين منذ سنوات الحرب المشؤومة. كثيرون سيفعلون ما فعلتاه. وبحسب تقرير «تقييم احتياجات عائلات الأشخاص المفقودين بسبب النزاعات المسلحة في لبنان منذ العام 1975»، تشير 83 عائلة من أصل 324 عائلة مفقود بأنها «لا تزال عاجزة عن التصرف بالأصول العائدة إلى المفقود مثل الأملاك والحسابات المصرفية ومعاشات التقاعد ومستحقات الضمان الاجتماعي». ومن هذه العائلات، هناك من اتخذ الخيار بالتوجه نحو توفية مفقوديهم لحلحة قضاياهم. لم تعد باليد حيلة أخرى. أو بالأحرى، لم تترك لهم الدولة حيلة أخرى، وهي التي تعوّل، منذ انتهت الحرب، على إيصال الأهالي إلى هنا. والدليل؟ يكفي أن يعيد هؤلاء سرد ما فعلته الدولة خلال 43 عاماً في سبيل تلك القضية. في المقام الأول، لم تكلف الدولة نفسها تعداد مفقوديها. هل هم 17 ألفاً؟ أقل؟ أكثر؟ لا أحد يعرف. ولعل السؤال الأهم هنا: من أين أتى الرقم 17 ألفاً؟ لا أحد يعرف. أما في المقام الثاني، فمن المفيد التذكير بأنّ الدولة التي شكّلت في العام 2000 لجنة للتقصي عن مصير المفقودين والمخطوفين، أهدت أهالي هؤلاء في العام 2014 صندوقاً فارغاً جدّد خيبتهم. فكل ما كان يحويه هذا الصندوق مجرّد معلومات خام بقيت في مراحل التحقيق الأولى و«أرشيف» لشهادات الأهالي. أما، ما عدا ذلك، فلم تقم الدولة بواجبها الذي يفرض عليها ــــ في الحدّ الأدنى ــــ التحقيق مع الجهات الخاطفة لضمان حقّ أهالي المفقودين والمخفيين بالمعرفة.
دليل آخر. عندما سحلت سيارة مسرعة عظام أوديت سالم، والدة المفقودين ريشار وكريستين، لم يستنفر هذا الموت الفظيع لآخر أفراد عائلة المخطوفين الدولة، علماً أنه من دون حمضها النووي تضيع رفات ولديها إلى الأبد. لم يفعل كل ذلك في الدولة، فقام بعض الممسوسين بالفقد بمبادرة فردية ــــ بالتعاون مع البعثة الدولية للصليب الأحمر ـــــ خلال العام 2012 وأخذوا عينات الحمض النووي (العينات البيولوجية) من سالم، واحتفظوا بها. حتى هذه اللحظات، لم تفعل الدولة واجبها تجاه الأهالي من خلال تحويل هذه المبادرة الفردية إلى رسمية، 6 سنوات من الإنتظار الإضافي، ولم توقّع الدولة مذكرة التفاهم بينها وبين اللجنة الدولية للصليب الأحمر للتعاون على جمع عينات الحمض النووي، علماً أن الصليب الأحمر الدولي تقدّم في الفترة الأخيرة بمبادرة حسن نية أخرى تتضمن تقديم هبة لتجهيز غرفة لدى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي لحفظ تلك العينات. المفارقة أن الدولة قبلت الهبة ولم توقّع على المذكرة المحفوظة في أدراج مجلس الوزراء «منعاً لتخريب السلم الأهلي»، على ما قال رئيس لجنة «سوليد» الراحل غازي عاد يوماً.

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

برغم كل ذلك، لا يزال الأهالي يتمسكون بالأمل. يعوّلون على إقرار مشروع قانون «إنشاء الهيئة الوطنية للكشف عن مصير المفقودين». فقد أنهى هذا المشروع دورته ما بين لجنتي حقوق الإنسان والإدارة والعدل، وصار اليوم على «طاولة» الهيئة العامة، منتظراً التصويت عليه، فإما يخرج من هناك قانوناً نافذاً أو يعود إلى اللجان لمزيد من الدرس... أو الحفظ
إذاً، أصبح القانون في الهيئة العامة، ومجدوَل في أول جلسة سيعقدها مجلس النواب. هذا ما يهم الأهالي في الوقت الحالي. ومن المتوقع أن تعرض في تلك الجلسة العريضة الوطنية لكشف مصير المفقودين والتي سجّلت عشية الذكرى الثالثة والأربعين للحرب، وتتضمن إقرار القانون وجمع وحفظ العينات البيولوجية من أهالي المفقودين. أهم ما في هذه العريضة أنها موقّعة من «غالبية رؤساء الأحزاب السياسية الموجودين بالسلطة والأحزاب الفاعلة». التعويل هنا على موافقة هؤلاء الذين يمثلون كافة الكتل النيابية الموجودة داخل المجلس. وهذا، برأي رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، وداد حلواني «مؤشر جيّد»، كما هو في الوقت نفسه «الإمتحان الأخير الذي ستظهر نوايا هؤلاء من خلال موافقة كتلهم حين عرضه على المجلس الجديد».
أهم ما في العريضة أنها موقّعة من «غالبية رؤساء الأحزاب السياسية الموجودين بالسلطة والأحزاب الفاعلة»


بالعودة إلى القانون الذي ينتظر شارة التصويت، تنتبه حلواني إلى السنوات الطويلة التي استغرقها ليخرج بصيغته النهائية. سنوات طويلة، لكن ذلك لا يهم. المهم أن يقرّ القانون الذي «يعدّ محطة كتير أساسية». فبالنسبة لمن تعيش الفقد منذ 36 عاماً وتتحمل ثقل القضية عن كثيرين، «عندما يقرّ القانون، يكفيني أنه صارت هناك مرجعية قانونية تملك كل الصلاحيات لتكشف لنا الحقائق، فعلى الأقل صار عنا جهة رسمية نحط كل المعلومات عن المفقودين عندها، سواء كأهالي أو كشهود». تعرف حلواني، كما الكثيرون من المتابعين، ومنهم النائب السابق غسان مخيبر الذي عمل مطوّلاً كي يصبح القانون في الهيئة العامة، أن «هذا القانون ليس مثالياً»، ولكنه على الأقل يكرّس حق الأهالي بمعرفة مصير مفقوديهم. لا أكثر من ذلك ولا أقل. لا يريدون معرفة من فعل ذلك بذويهم ولا تعليق المشانق للضالعين في هذا الغياب، فقط «نعرف وينن»، تقول حلواني. فإن كانوا أحياء «بدنا ياهن، وإن كانوا أمواتاً بدنا عضامهن»، وإلا «ما فيكن تقولولنا بطّلوا انطروا».
تغاضى الأهالي عن الفاعل، وهو ما تغاضى عنه القانون أيضاً، عندما جهّل هذا الأخير. لم تعد العدالة المطلقة هي المطلوبة، فجلّ ما يرغبون به عدالة ترميمية. اعتراف صريح «بالوجع» يلغي انتظاراً ممتداً منذ أربعين عاماً.



بورتريه
كلما ماتت أمّ ماتت قضية

«هيي وقاطعة»، كانت آخر صورة لأوديت سالم، أم المفقودين ريشار وكريستين. سحلت سيارة مسرعة عظامها الهشّة... ومعها قضية ولديها التي بقيت بلا سند. ماتت أوديت وبعدها كرّت السبحة: مخايل عوض، أم علي جبر، أم علي الموسوي، فاطمة بشاشة، صبحة عشّو، وآخرهن أمينة عبد الحصري الشرقاوي، أم وحيدها أحمد. حملت هذه الأخيرة همّ حراسة خيمة المفقودين في حديقة جبران خليل جبران بعد وفاة أوديت. بقيت هناك حتى أقفلت الخيمة بابها وماتت مؤخراً في منزلها في مخيم برج البراجنة. أصعب ما في هذا الرحيل أنه يحمل ألماً مضاعفاً، ألم فقدان أمٍ ومفقود في الوقت نفسه. في حالة هؤلاء، يعادل موت أم المفقود موت قضية ابنها. فهنّ الوحيدات اللواتي يحملن القضية بهذا الزخم، وكلما راحت واحدة منهن، راح الجزء المتعلق بقضية الإبن في الملف المفتوح منذ 43 عاماً. هنا، حكاية ثلاث أمهات مع الغائبين

أم عزيز الديراوي: إدمان الانتظار
«أديش صار عمرِي؟ قبل ما يروحوا ولادي أو بعد ما راحوا؟». هكذا، تجيب أم عزيز الديراوي ــــ والدة أربعة مفقودين ـــ السائلين عن عمرها. الفاصل كبير بين الـ«قبل» والـ«بعد»، فما كان قبل الغياب، كانت تحتسبه أم عزيز، كما غيرها، بالسنوات التي تمر. أما ما بعده، فقد تغيّرت تلك الحسابات. لا أيام ولا سنوات. هناك، فقط، لحظات انتظار لأربعة غائبين منذ 36 عاماً. أربعة (عزيز ــــ 1950، ابراهيم ــــ 1953، منصور ــــ 1956، أحمد ــــ 1969). تشدّد أم عزيز على الرقم، فهي أم: «مش قليلة، إلي أربعة، لا واحد ولا تنين».
طويلة هي تلك السنوات. مع ذلك، لا تزال «أجمل الأمهات» تنتظر طرقة أيديهم على باب دارها في مخيّم برج البراجنة. في السابق، انتظرتهم طويلاً في خيمة «أهالي المفقودين والمخفيين قسراً» في حديقة جبران خليل جبران، قبل أن يجبرها قلبها المتعب على ملازمة المنزل. كانت حارسة خيمة هؤلاء قبل أن تعود أدراجها إلى «نقطة حرسها» عند عتبة بيتها. اليوم، هدّ الغياب أم عزيز، ولم تعد تفارق غرفتها. تنتظرهم هناك. مع ذلك، لم تلحق التغييرات، التي فرضها قلبها، بعادتها التي بقيت على حالها: الإنتظار. لا تزال إلى الآن تحمل اللهفة نفسها، وكأنهم خطفوا للتو. تعيد سرد حكايتهم، من دون أن يسقط تفصيل منها. كيف خطفوا؟ وماذا كان يلبس كل واحد؟ وكيف كانت تعابير وجوههم في تلك اللحظة؟ وصراخ ابنها البكر عزيز «يمّا». لا تنسى شيئاً، وفي كل مرّة تعيد سرد الحكايات نفسها، كانت «تحمل» أولادها الأربعة في حجرها. كما «تحملهم» اليوم، وهي تجول غزف المنزل التي تركتها على حالها في انتظار عودة أبنائها إليها.

جورجيت سالم يوسف: «عندي أمل»
كان عمر رودي 18 عاماً عندما فقدته عينا أمه جورجيت. كان لا يزال «طفلاً» في نظرها. لم يكد ينهي دراسته حتى صار مخطوفاً. وهذا يحزّ في قلب والدته. في كل يوم تستيقظ فيه إلى نهارٍ جديد، يعاودها السؤال عن حال ابنها. كيف هو؟ أين هو؟ ماذا يأكل؟ منذ 42 عاماً، ولا تزال الأسئلة نفسها. فرغم تلك السنوات الطويلة التي مرّت على اختفائه، لم تضع احتمال موته ضمن تلك الأسئلة. بقيت تراه بعمره الذي غاب فيه.
بعد «غيبة» رودي، تغيّرت حياة جورجيت. صار البيت ومشاغل الأولاد تتمّة للنشاط الأساس الذي مارسته سنوات طويلة في خيمة الإنتظار التي نصبها أهالي المفقودين والمخفيين قسراً. تقصدها نهاراً علّها تأتي منها بخبر، وتعود منها في الغالب خائبة. وعندما يضيق قلبها، تخرج إلى الحديقة وتعدّ المارّة. لم تترك جورجيت «قعدة» واحدة في مقر بعثة الصليب الأحمر الدولي. تقول «شاركت فيها كلها، بس متل ما كنا نروح نجي. ما في شي». مع ذلك، لم تتقاعد عن هذا العمل «عندي أمل انو يمكن يرجع». ولأن جورجيت تخاف من نسيان تفاصيل غياب ابنها، سجّلت «كل شي على الأوراق». جورجيت لا «تملك» ابناً مخطوفاً فقط، إنما زوجاً أيضاً. ولكن «الولد بيحرق القلب». طوال تلك السنوات، افتقدت وجود «الرجّال» بالبيت. كانت أماً وأباً في الوقت نفسه، لكن «غياب رودي كان الأقسى»، ولا يزال حتى هذا الوقت. لتبرهن صعوبة هذا الغياب، تقول جورجيت «عندي غيرو شباب، بس لو كانوا 100، كلن أغلى من عيني».

إنعام وعزيزة مرجي: انتظار من لا يأتون
خمسة غابوا دفعة واحدة. حدث ذلك قبل أربعين عاماً بالتمام والكمال. 1978. كانت الحرب لا تزال في «عزّها»، وكان عدّاد القتل والخطف «يهرول» في منطقة المدور ــــ الكرنتينا. في أحد أيام حزيران، «قصدونا هناك في المدور وفصلونا بنات وشباب ولملموا الشباب وأخدونا إلنا على مخفر الجميزة»، تقول إنعام مرجي. من مخفر الجميزة إلى «الشاليهات في منطقة الأوزاعي»، انتقلت بنات عائلة فياض مرجي. بقيت إنعام وعزيزة «بلا سند». فقدتا شقيقين وزوجين وابناً (هو ابن عزيزة). اليوم، ما عادت عزيزة تقوى على الكلام. كبُرت وحزنها سوياً. لم يعد أولاها يسمحون لأحدٍ بمحادثتها بسبب الخوف عليها. أما إنعام، فلم يفعل الوقت الطويل فعله لكي تنسى «ما فيني إنسى، عندي 3 وابن أختي».
لجأت هي الأخرى إلى خيمة المفقودين والمخفيين قسراً مع شقيقتها التي تحمل الهم نفسه. تتقاسمان في الصباح الغياب، وعند المساء تحمل كل واحدة ثقل الحكاية معها إلى البيت. تقول «لا أذكر أنني نمت يوماً الليل كله».
ربّت إنعام طفلتين وشاباً في غياب أبٍ لا يعرفونه. وكانت في كل مرّة تتعب من حملها، تبكي وتقول «لو كانوا حدّي كانوا بيسندوني». عملت 14 عاماً في التنظيفات في جريدة النداء، وبقيت فيها حتى أقفلت العام 1994. بعدها، انتقلت للعمل في أمكنة أخرى في المجال نفسه. وكانت، في تلك الفترة، تعمل وتنتظر. عندما كبر أولادها، تركت العمل وبقيت تنتظر في المنزل عودة «ناسٍ لا يأتون».