لم يكن صدفة تزامن إعلان وزير البيئة طارق الخطيب عن عدد الرخص التي وقعها للصيد البري وانطلاق «موسم الصيد» مع مجازر الطيور في الضنية وعكار وعنجر وغيرها. المقدّمات الواضحة تقود إلى نتائج واضحة. وإصرار الوزير وتجرؤه على فتح «الموسم»، رغم كل الآراء البيئية والعلمية المخالفة، سيشجعان الصيادين على التباهي ونشر المزيد من هذه الصور في الشهور المقبلة. وزير البيئة هو المسؤول الأول عن ارتكاب هذه المجازر.

الصور المفجعة التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي، في اليومين الماضيين، لطيور مقتولة بأعداد كبيرة (لا سيما حوام العسل الذي يهاجر في مثل هذه الأيام)، كانت تقتضي ــــ في أيّ بلد طبيعي ــــ إقالة الوزير المسؤول فوراً ومحاسبته. إلا أن لبنان ليس بلداً طبيعياً، سواء لجهة الرقابة والمحاسبة، أو لجهة طبيعته المهدّدة، بعدما بات يصنف ضمن البلدان «الحرجة» في ما بقي من مساحاته الخضراء، وتنوعه البيولوجي، وتناقص عدد الطيور المقيمة فيه أو العابرة له. فقد أصرّ وزير البيئة طارق الخطيب على افتتاح «موسم الصيد» متجاهلاً النصائح، العلمية والبيئية، بالاستمرار في تطبيق المنع الكلي للصيد البري حتى إدخال التعديلات اللازمة على القانون بعد دراسات ميدانية حول وضعية الطيور وأنواعها وأعدادها والأماكن التي تعيش فيها... ومن دون الأخذ بالآراء التي شككت في قدرة الأجهزة الأمنية على التمييز بين الطيور المسموح أو الممنوع صيدها، بعدما عجزت عن تطبيق القرار الأسهل بالمنع الكلي للصيد!
إعلان الخطيب أمس بأن «قرار فتح موسم الصيد ترافق مع تحديد أنواع الطيور والحيوانات المسموح صيدها خلال الموسم وكمياتها التي ليس بينها أي نوع من طيور الجوارح (...) واستثناء الترغل وعصفور التيّان من الطرائد المسموح صيدها» يحتاج إلى كثير من التدقيق. وكذلك الأمر بالنسبة إلى تأكيده إحالة «المنشورات التي ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المدعي العام البيئي في البقاع واتخاذ أقصى العقوبات لردع أي أعمال منافية لقانون الصيد». فالوزير لم يخبرنا، مثلاً، عن عدد المخالفات التي سُجّلت العام الماضي ولا ما إذا كان أي مخالف قد تعرّض للملاحقة فعلاً، علماً أن الصور التي نُشرت أخيراً نُشر أضعافها العام الماضي من دون الإعلان عن ملاحقة أيّ مرتكب أو معاقبته!

الوزير نسب إلى نفسه استثناء الترغل والتيّان من الصيد بعدما كان من المتحمسين لذلك


ويجدر التذكير هنا بأن الوزير، الذي نسب إلى نفسه أمس استثناء الترغل وعصفور التيّان من الطرائد المسموح صيدها، كان من أشد المتحمسين لإضافة هذه الطيور إلى «لائحة القتل» تحت ضغوط الصيادين وتجار أسلحة الصيد وذخيرتها، لولا اعتراض بعض الجمعيات التي راجعت القصر الجمهوري للتراجع عن هذا الإجراء. واستندت هذه الجمعيات إلى دراسة علمية للدكتور غسان جرادي أكدت أنه لولا الطيور لخسر المزارعون نصف محصولهم بسبب الدور الذي تلعبه في القضاء على آفات الحقول والغابات والأحراج وتخليص المحاصيل الزراعية من الأوبئة وتلقيح النباتات. ولفتت إلى أن الدول الغربية، مثلاً، تفرض على المزارعين إحاطة حقولهم ببيئة حاضنة للطيور كتسييجها بأشجار تصدّ الرياح وتؤمن مكاناً لأعشاش الطيور، وتأمين مساحات حيادية بين المزروعات تنبت فيها الحشائش والشجيرات لتشكّل مآوي لها. وأشار جرادي في دراسته إلى أن المادة الرابعة من قانون الصيد البري اللبناني نصّت على حماية الأنواع المهددة بخطر الانقراض على المستوى العالمي وهي حالة طائر الترغل مثلاً. علماً أن لبنان من الدول الموقعة على الاتفاقيات الدولية لحماية الطيور الموضوعة على اللائحة الحمراء، بخاصة «اتفاقية التنوع البيولوجي» CBD، وإتفاقية «إيوا» AEWA للطيور المهاجرة الأوراسية – الأفريقية، ومذكرة تفاهم «حماية الطيور الجارحة» Raptors MOE واتفاقية «التجارة بأنواع الطيور المهددة بالانقراض» CITES، واتفاقية «الأنواع المهاجرة» CMC.

«دراسات» الوزير
والغريب أن الخطيب كان قد أضاف الترغل إلى لائحة الطرائد المسموح صيدها (قبل التراجع عنه) رغم أن هذا الطائر مُدرج على لائحة الأنواع المهددة بالانقراض منذ عام 2015، وكان لبنان قد تلقّى تهنئة المجتمع الدولي بعدما أعلن منع صيده في آذار عام 2016. ففي إحصاء عالمي عام 2015، تبيّن أن أعداد هذا الطائر سجّلت فجأة تراجعاً دراماتيكياً، ما دفع منظمة الطيور العالمية (BirdLife International) والاتحاد العالمي لصون الطبيعة (IUCN) إلى تصنيفه معرضاً لخطر الانقراص بصورة هشة (Vulnerable) ووضعه على اللائحة الحمراء للطيور. كما أن قانون الصيد اللبناني ينص على أن «يتخذ وزير الوصاية القرارات اللازمة، بمنع، بصورة مؤقتة أو دائمة، صيد كل طير أو حيوان يظهر أنه مفيد للزراعة أو للتوازن البيئي أو لغاية تكثير نوعه لقلة أعداده محلياً أو لإدراجه على لوائح الطيور والحيوانات المهددة بالانقراض عالمياً والواردة في الاتفاقيات الدولية المبرمة مع لبنان وتلك الواردة في الكتاب الأحمر للاتحاد الدولي (IUCN)، ويعيّن المناطق والفترات الممنوع فيها الصيد خلال السنة...» (الفقرة ب من المادة الرابعة من القانون 580/4). كل ذلك يدفع إلى التساؤل عن طبيعة «الدراسات» التي دفعت الوزير إلى إعادة هذا الطائر إلى لائحة الطرائد المسموح صيدها قبل التراجع عن ذلك بطلب من رئيس الجمهورية!

استدامة التراث
كذلك، اشترطت المادة الثالثة من قانون الصيد مراعاة استدامة التراث الطبيعي كأساس لتحديد فترة موسم الصيد. فنصت على أن «يحدد وزير البيئة تاريخ افتتاح وانتهاء موسم الصيد والأوقات التي يسمح بالصيد خلالها (...) على أن يراعى تطبيق مبدأ استدامة التراث الطبيعي المنصوص عليه في الاتفاقيات الدولية المُبرمة بحيث يمنع الصيد في موسم تكاثر الحيوانات والطيور، وفي أثناء عبورها نحو أماكن تكاثرها وأثناء رعايتها لصغارها». وهذا المنع في موسم التكاثر منصوص عليه أيضاً في الإرشاد الأوروبي للطيور، لا سيما الملحق 2، وفي البرامج الدولية لحماية الطيور التي تمنع صيد الطيور أثناء ضعفها ووهنها (أي في موسم التكاثر). وفي لبنان يبدأ هذا الموسم في شباط مع تزاوج الطيور ووضعها بيضها كأنواع البوم التي تتغذى على الفئران والعصافير المغردة الصغيرة (البوبانة وسن المنجل والهازجة الشاحبة والنمنمة والدخلة...) التي تتغذى على الحشرات. فهذه الطيور تبدأ بالتزاوج قبل انتهاء فصل الشتاء الذي يمتدّ من كانون الأول حتى شباط، وينتهي موسم التكاثر مع انتهاء رعاية الصغار في لبنان وبلدان حوض المتوسط في بدايات أيلول. لذلك، بحسب دراسة للمجلس العالمي للمحافظة على الطيور، «لا يجوز السماح بصيد الطيور من أول شباط حتى أول أيلول على أقل تقدير تطبيقاً لمبدأ استدامة التراث الطبيعي».



صيد التيّان: من يراقب؟
عام 2000، حضّر طالبان في الجامعة اللبنانية ـــــ كلية العلوم مشروع تخرجهما حول طائر التيان أبو قلنسوة (الخوري والشماس Blackcap Warbler) وطائر التيان السرديني أبو قبعة (Sardinian Warbler). وأكدت الدراسة أن التيان السرديني المقيم لا يتهيأ جسده كما يجب للهجرة، فيما يبدأ التيان أبو قلنسوة بالهجرة جنوباً بعد أن يستكمل وزنه من الهيدروكربون الذي يتحول إلى شحوم تشكّل مصدر طاقته أثناء الهجرة. ويكون ذلك في أواخر أيلول. أما ما نراه في منتصف آب فهو بداية لتجمع الصغار (بحجم الكبار) التي تنتشر بحثاً عن الطعام. وأكدت الدراسة أن في لبنان 32 نوعاً من التيان (Warblers)، بعضها نادر، وجميعها تتغذى على الحشرات. وبناء عليه، كيف سيعرف وزير البيئة أو من يراقب ما هو الطير المسموح صيده من بينها؟ وهل يستطيع الصياد نفسه التمييز بين التيان أبو قلنسوة والتيان السرديني والتيان الاعتيادي والتيان أبيض الزور والتيان الأصغر أبيض الزور والتيان الرمادي الأسود الرأس؟!


ادعاء على صياد مخالف
طلب وزير البيئة طارق الخطيب أمس من المحامي العام البيئي في جبل لبنان الادعاء على أحد الصيّادين (ز. ز.) من سكان بقعاتا الشوف «وعلى كل من يُظهره التحقيق شريكاً أو محرّضاً أو متدخلاً في مخالفة قانون الصيد البري الرقم 580\ 2004 واتخاذ التدابير القانونية كافة التي يراها مناسبة»، وذلك على خلفية صور على مواقع التواصل يظهر فيها الصياد يعرض على سيارته طرائد ممنوع صيدها.