صحيح أن موعد تشكيل الحكومة صار في علم الغيب، بعد إسقاط التشكيلة الأولية التي قدمها الرئيس المكلف سعد الحريري إلى رئيس الجمهورية ميشال عون. إلا أن ذلك لم يحل دون الخوض في تفاصيلها وفي تفاصيل الخلافات المستحكمة التي تزداد مع الوقت بدلاً من أن تقّل.

في التشكيلة، التي سرّبت أجزاء منها، كان واضحاً أن حقيبة الصحة قد آلت إلى حزب الله، خلافاً لكل ما يشاع عن فيتو دولي وتحديداً أميركي يعيق حصول الحزب عليها. فهل تخطى الرئيس المكلف هذا الفيتو، أم لم يكن هنالك أي فيتو في الأساس؟
في الأيام والأسابيع الماضية، كثر الحديث عن تولي ديبلوماسيين غربيين نقل رسائل دولية إلى المعنيين في التشكيل مفادها أن مثل هذه الخطوة سوف يعتبرها المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، بمثابة تعويم للحزب في وزارة حيوية دقيقة تتجاوز العلاقة الخدماتية المباشرة مع الناس، إلى العلاقة مع المجتمع الدولي.
وفيما ذهب البعض إلى التحذير من أن التعاون الدولي مع لبنان في المجال الصحي سيكون مهدداً، ما يخسّر الوزارة الكثير من المشاريع التي تمول خارجياً وتحتاجها بشكل ماس لتطوير أدائها وخدماتها، خصوصاً في ظل العجز المستمر في ميزانيتها (تبلغ ميزانيتها 716 مليار ليرة، بما يعادل 2.5 في المئة من الموازنة العامة، بعجز يقارب 120 مليار ليرة سنوياً). في المقابل، تبين سريعاً للمتابعين لملف الحكومة أن مسألة وزارة الصحة لم تكن يوماً مطروحة على بساط البحث أو النقاش. منذ اللقاء الأول الذي جمع الرئيس نبيه بري بالحريري، بعد تكليف الأخير مهمة التأليف (في أيار الماضي)، بادر الأول باسم حركة أمل وحزب الله، لنقل مطالب «الثنائي»، وأبرزها حصول حزب الله على حقيبة الصحة. وافق الحريري منذ ذلك الحين، وكذلك وافق رئيس الجمهورية على ذلك، ولم يتبين في أي مرحلة من مراحل النقاش أو المفاوضات أن الحريري قد تراجع عن الاتفاق، أو أنه يتعرض لضغوط في هذا الإطار، فهو لم يبلغ بري بذلك ولا رئيس الجمهورية، أضف إلى أنه حسم الأمر في التشكيلة الأخيرة ووضع «الصحة» في خانة حزب الله. أكثر من ذلك، لم يصل إلى مسمع الحزب أي كلام منقول عن الدبلوماسيين العرب والأجانب أن الأميركيين لديهم وجهة نظر مختلفة. أما داخلياً، فلم يسمع أي اعتراض يتعلق بحصول الحزب على وزارة الصحة.
لمزيد من التدقيق يتبين أن السفارة الأميركية لم تتطرق إلى وزارة الصحة بعينها، على ما تردد مصادر وزارية متابعة، إنما أبدت خشيتها من حصول الحزب على أي وزارة خدماتية يمكن أن يستفيد منها في إطار دعم بيئته ومحازبيه. فخطوة كهذه تتناقض مع السعي إلى التضييق على الحزب داخل بيئته. لكن مطلعين على عمل وزارة الصحة يدركون أنه لا يمكن حصر تقديماتها في جهة معينة أو منطقة معينة.

لم تضع أميركا أي فيتو على تولي الحزب وزارة الصحة، والحريري وافق منذ اللقاء الأول مع بري

وبالتالي، فإن خدماتها لا يمكن إلا أن توزع على الجميع، ما يعني أن التمييز، إذا حصل، سيكون محدوداً جداً وتأثيره أيضاً محدوداً.
وقبل الخوض في الموقف الأميركي، أو الخوف من حرمان الوزارة من المساعدات الأميركية، يوضح وزير معني أن الدعم الأميركي للوزارة يكاد يكون معدوماً، مشيراً إلى أنها حصلت هذا العام على هبة أميركية قيمتها 120 ألف دولار فقط وتتعلق بتطوير بعض البرامج التكنولوجية. مع ذلك، يشير المصدر إلى أن تسلم الحزب للوزارة سيعني حتماً قطع الطريق على أي مساعدة متوقعة من قبل مؤسسات أميركية، على رغم أن مصادر وزارة الصحة تؤكد أنه لا اتفاق واضحاً معهم على أي مساعدات، إنما كان الأمر في إطار درس إمكانية الدعم لا أكثر.
أما في شأن احتمال حجب المساعدات من جهات مانحة أخرى كالمنظمات الدولية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، فيراه مصدر متابع احتمالاً غير واقعي، أولاً لأن وزراء الحزب على تواصل مستمر مع دبلوماسيين غربيين ولا سيما أوروبيين، أضف إلى أن وزير الصناعة حسين الحاج حسن، على سبيل المثال لا الحصر، يشارك في مؤتمرات تعقد في أوروبا، أضف إلى إن حزب الله، عبر مسؤول العلاقات الخارجية عمار الموسوي، يستقبل في شكل مستمر مسؤولين أوروبيين في مقر العلاقات الدولية في الضاحية الجنوبية.
كل ما سبق يشير إلى أن الحزب صار نظرياً مقيماً في وزارة الصحة. أكثر من ذلك، فإن اسم وزير الصحة المقبل صار متداولاً في أوساط الحزب، وهو يتراوح بين ثلاثة أسماء هم النائب السابق جمال الطقش، الذي يعمل مديراً طبياً لمستشفى الرسول الأعظم، وبين رئيس جامعة المعارف الدكتور علي علاء الدين أو رئيس جمعية وهب الأعضاء الدكتور عماد شمص، علماً أن الحزب يميل إلى أن يتولى الوزارة طبيب. وفيما الثلاثة ينتمون إلى البقاع، فإن الوزير الثالث الذي سينضم إلى الوزير محمد فنيش والوزير البقاعي، كممثل للحزب في الحكومة، سيكون من حصة الضاحية الجنوبية (على الأرجح محمود قماطي).