نلفـت نظركم إلى أنه جرى تناول «شركة البنيان للهندسة والمقاولات» مرتيـن في مقالات نشرتها «الأخبار»، الأول نُشر بتاريـخ 17 آب 2018 بعنوان «ملوّثو الليطاني بالأسماء»، والثانـي في 5 أيلول 2018 بعنوان «مليارات تنظيف الليطاني: ملوِّثون فازوا بمناقصات لرفـع التلوّث». الأول اتّهم شركة البنيان زوراً بأنها من الشركات التي لها يد في تلويث نهر الليطاني، وذلك بالاستناد إلى لوائح أعدّت بالتعاون بين المصلحة الوطنية لنهر الليطاني ووزارة البيئة، أما الثاني، فقد زَعَمَ أن الشركة فازت بمناقصة لرفع التلوّث عن نهر الليطاني، رغم أنها من الملوّثين.

بعد نشر المقال الأول واللوائـح، آلت الشركة على نفسها أن لا تقوم بأي ردّة فعل، آملة أن تصل التحركات المتعلقة بتنظيف نهر الليطاني من التلوّث إلى القضاء المختص وتحقيق الإنصاف والعدالة للجميـع، فيدان من يثبت عليه جرم التلوّث أو يبرَّأ من لم يثبت عليه أي جرم. لكن مع تمادي هذه الحملة وتسمية شركة البنيان وتوجيه الاتهامات إليها زوراً وتكرارها، أصبح لا بد من وضع الحقائق أمام الرأي العام، إذ إنّ الشركة لم تقم ولا تقوم بأي عمل أدّى أو يؤدي إلى تلويث نهر الليـطاني، وهي لم تفز بأي مناقصة، وليس لديها أي عقد يتعلق بتنظيف النهر أو مجرى النهر. وهذا الأمر يشير بما لا لبس فيه إلى أن مسرّب هذه اللوائح لم يقم بالحدّ الأدنى مــن واجباته المهنية التي تفرض التدقيق بالمعطيات والحقائق على أسس ومعايير علمية، بل أعدّ لوائح بالاستناد إلى التراخيص الصادرة عن وزارة الصناعة ووزّع التّهم جزافاًً. أما كاتب المقال، فهو أيضاً لم يدقق في هذه اللوائح والغايات الحقيقية منها، وما إذا كانت تتضمن معطيات دقيقة أو أن فيها ما هو مدسوس. والواضـح أن هذه اللوائح أعدّت بغرض الدعاية والترويج للراغبين في الفوز بمقعد وزاري، أو بتعزيز مصالح ضيقة من خلال إثارة الغرائز الشعبوية.
لحسن الحظ، إن هذه الأهداف تفسح المجال لدحض الاتهامات بسهولة، ويمكن القول إن كل ما ورد في اللوائح والمقالين المنشورين بحق شركة البنيان يعدّ باطلاً بحكم الآتي:
- إن الشركـة تملك ترخيصاً بإنشاء جبالة اسفلت وجبالة باطون من الفئة الثانية على العقارين 2235 و2236 من منطقة النبي شيت العقارية ــــ قضاء بعلبك، ولديها ترخيص آخر لإنشاء جبالة باطون مركزية على العقار 419 من منطـقة دورس العقارية. وهذا الترخيص ليس حديثاً، بل يعود إلى فترة طويلة من الزمن وهو يستند إلى المرسوم الرقم 8018 تاريخ 12/6/2002 المتعلق بتحديد أصول وإجراءات وشروط الترخيص بإنشاء المؤسسات الصناعية واستثمارها، وإلى المرسوم الرقم 7945 تاريخ 29/5/2002 (الأصول والإجراءات الواجب اتباعها في اجتماعات لجنة الترخيص وفي ممارسة مهماتها). وتنص المادة 17 من المرسوم 8018 على أنه يرفق بطلب الترخيص بإنشاء مؤسسة صناعية جديدة من الفئتين الأولى والثانية خرائط تظهر محيط موقـع العمل على مسافة كيلومتر واحد على الأقل، المدارس والمستشفيات والملاجئ والمباني العامة والآبار وينابيع المياه ومجاريها والأمكنة الأثرية وأهم المؤسسات الصناعية والمساكن. كذلك تنص هذه المادة على إظهار «بدقة كيفية تصريف المياه المبتذلة وكيفية استعمالها ومصير النفايات حسبما يقتضيه نوع الصناعة. ويحق للجهة المسؤولة أيضاً أن تطلب الإيضاحات التي تراها مفيدة»، إضافة إلى «دراسة عن حجم المواد الأولية المستعملة، ودراسة كاملة عن كمية الفضلات الناتجة من المصنع (المياه المستعملة، النفايات الصلبة)، وطريقة تصريفها عن طريق إقامة منشآت إضافية، من دون إلحاق الضرر بالصحة العامة وبالمحيط ومن دون تلويـث المياه السطحية والجوفية. وتشكل هذه المنشآت، في حال الموافقة على إنشاء المصنع، جزءاً من الترخيص، ويجب أن تنفذ في الوقت نفسه مع المصنع. ولا تعطى رخصة الاستثمار إلا بعد تنفيذ جميع هذه المنشآت.
وبالاستناد إلى المادة 20 من هذا المرسوم أيضاً، يتبيّن أنه في المناطق غير المنظمة بمراسيم، يفرض على مواقع العمل «أن تبتعد أقرب نقطة من بناء المؤسسة الصناعية من الفئتين الأولى والثانية، وبخط أفقي مستقيم: مسافة /1000/ متر على الأقل عن حدود المناطق الأثرية والطبيعية المحددة بمرسوم خاص أو بمرسوم تنظيمي، ومسافة 250 متراً على الأقل عن حدود مجاري الأنهر الكبيرة (عرقا، الأسطوان، البارد، أبو علي، البحصاص، الجوز، إبراهيم، الكلب، بيروت، الدامور، الأولي، الزهراني، الليطاني)، ومسافة 150 متراً على الأقل عن حدود المجاري الشتوية الأخرى، ومسافة /1000/ متر على الأقل عن حدود العقارات التي تقع ضمنها المستشفيات أو المدارس أو دور الحضانة أو المآوي، ومسافة /1000/ متر على الأقل عن أقرب منزل مـن تجمع سكني مؤلف من خمسة مساكن على الأقل في المناطق والقرى غير المنظمة، ومسافة /1000/ متر عن شاطئ البحر، ومسافة لا تقل عن /200/ متر عن حدود الأوتوسترادات الدولية التالية، بيروت الحدود السورية (دمشق)، بيروت الحدود السورية (اللاذقية)، بيروت الناقورة، ويمنع أن يكون لها مدخل مباشر عليها، ومسافة /1000/متر على الأقل عن ينابيع المياه.
- إن الحدّ الأدنى من التدقيق يمكنه أن يظهر بكل وضوح وبما لا يرقى إليه شكّ أن نهر الليطاني يبعد عن العقارات المذكورة في منطقة النبي شيت أكثر من 15 كيلومتراً (خطّ نار)، ولا يوجد في الموقع أي منفذ على أقنية مياه أو مجارير، كما أنه يبعد عن العقارات المذكورة في منطقة دورس أكثر مـن 7 كيلومترات ولا يوجد في الموقع أي منفذ على أقنية مياه أو مجارير.
إذاً، على أي أسس استندت هذه اللوائح والاتهامات؟ واستطراداً، ألا يجب أن تكون هذه الاتهامات مستندة إلى أدلّة، فأين هي هذه الأدلّة؟
ــــ الأسوأ من هذه الادعاءات أن تتهم الشركة بأنها التزمت عقداً لتنظيف نهر الليطاني من التلوّث، وهو ما يثبت مجدداً أنّ هناك نيّة واضحة للنيل من سمعة هذه الشركة. فالعقد الذي فازت به شركة البنيان بمناقصة عامة في منطقة عين قانا في منطقة النبطية يتعلق بمجاري الصرف الصحي ولا يتصل مباشرة بموضوع تنظيف النهر من التلوّث.
ــــ بناء على ما نشر في المقال الأول فـي «الأخبار»، أرسلت شركة البنيان كتاباً إلى المصلحة الوطنية لنهر الليطاني وأبدت اعتراضها وتحفّظها الكامل عما نشر، وطلبت منها بموجب الكتاب المسجل لدى المصلحة بتاريخ 20/8/2018 أن تقوم بمسح لتتأكد من المعلومات والمعطيات المتعلقة بالملوّثين بهدف تأكيد وإدانة الملوّثين وإثبات براءة المظلومين.
ــــ للأسف، تبيّن أن أياً من الجـهات المعـنية، سواء المصلحة الوطنية لنهر الليطاني أو وزارة البيئة، لم تقم بواجباتها ومسؤولياتها كاملة تجاه كل المعنيين بنهر الليطاني من قرى وبلدات وشركات ومؤسسات. لا بل تبيّن أنه ليس هناك معايير واضحة تدعم المزاعم والادعاءات والتهم عن الذين يساهمون في تلويث نهر الليطاني، وعن قصد تم تجهيل هذه المعايير لغايات واضحة تسويقية على حساب الحقائق والمعطيات العلمية والثابتة. قرينة البراءة حق لكل متهم، وهذه القرينة لا تتحقق إلا بوجود تقرير علمي يستند إلى معايير واضحة عن التصنيف الذي على أساسه جرى تحديد هـذه الشركة ملوّثة أو غير ملوّثة. فهل إثبات التلوّث يتعلق بنوعية الخدمات التي تقوم بها الشركة، وبموقعها الجغرافي، ونوعية المواد المستخدمة ضمن هذه الخدمات؟
في ضوء هذه الوقائع الثابتة، نطلب اعتبار هذا الردّ بمثابة إخبار إلى النيابة العامة للقيام بالتحقيقات اللازمة والوقوف على معطيات واقعية وحقيقية عن الملوّثين وتنقية اللوائح من غير الملوّثين ورفع الظلم عنهم، وسوء السمعة الـذي لحق بهم جراء التسريب.

المهندس حسين الموسوي
رئيس مجلس إدارة شركة البنيان