ليس لدى رفيقه القديم رقم هاتفه. نسأله: ألا تعرف أحداً مِن رفاقه قديماً، أو إخوانه حاليّاً، يعرف رقم هاتفه؟ كلا، لا أحد. حسناً، كيف سنصل إليه؟ أين نجده؟ تجده، يوميّاً، عند كلّ صلاة في جامع الإمام علي - الطريق الجديدة. لعلّ الرفيق عمّار جرادة سابقاً، أو الشيخ محمد عمّار حاليّاً، بعد كثرة سؤالنا عنه، أخذ علماً أنّ أحدهم يبحث عنه ليلتقيه. ننتظره أمام باب الجامع، قبيل صلاة المغرب، فلا يأتي... على غير عادته. روّاد الجامع، الذين يعرفونه جيّداً، استغربوا عدم مجيئه. في اليوم التالي نرابط مُجدّداً أمام الجامع، قبيل صلاة المغرب أيضاً، فلا يظهر. سنحتاج أن ندخل للصلاة، مع المصلّين، درءاً للريبة. لعلّ كلّ ذلك حصل صدفة. لكن في النهاية، وباختصار، سنعلم أنّ عمّار لا يُريد أن يظهر إعلاميّاً. لقد مضى ماضيه. طوى الصفحة.

هو أحد ثلاثة رفاق، مِن جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة، نفّذوا عمليّة «بسترس» ضدّ الإسرائيليين الذين اجتاحوا لبنان عام 1982. كان عمّار شيوعيّاً آنذاك. كان العقّل الأمني - الميداني لتلك العمليّة. لا تزال تلك الرخامة، في مكان الواقعة، مُعلّقة هناك تؤرّخ لما حصل وتُشيد بالبطولة. لعلّ التوصيف يبدو مضخّماً، إزاء الحديث عن عمليّة مؤدّاها رمي قنبلتين يدويتين على الغزاة، وهي بالتالي، بالمعنى النوعي والعسكري، ليست ذات ثقل. لكن مَن يعرف كيف كان نبض بيروت يومذاك، ومستوى الرعب الذي خيّم فيها، إذ امتلأت الطرقات بالسلاح المرمي، وبنادق تُدفَن تحت التراب، خوفاً، وقد بلغت القلوب الحناجر... يعرف أنّ تلك الفعلة، بالمعنى التاريخي، ليست مِن الصنف العابر. أولئك الثلاثة، مع رفاق لهم في مناطق أخرى، كانوا يقولون، وليس بالضرورة أنّهم هم أنفسهم كانوا يدركون عمق ذلك: إنّ بيروت هذه، العاصمة، لها شرفها الذي لا يُمكن أن يُهتك مِن غير أن يخرج مَن يقول: كلّا.
عمّار أصبح إسلاميّاً؟ هذا لا يُقطَع به. أصبح مُسلماً، بل رجل دين، نعم هذا صحيح. مسألة المصطلحات هذه ليست تفصيلاً عند الحديث عمّن كان شيوعيّاً. هل كان شيوعيّاً حقّاً؟ الأكيد أنّه كان في الحزب الشيوعي. هذا لا يعني، بالضرورة، أنّه كان، إلى جانب رفاقه الشبّان، أرباب فهم الديالكتيك والحتميّة التاريخيّة والبرجوازيّة الكمبرادوريّة، وما إلى ذلك مِن أفكار كانت تشتعل بسجالات أيديولوجيّة في تلك الحقبة. لم يكن عمّار، ورفيقاه في تلك العمليّة فهد مدلج ومازن عبّود، مِن هواة الجلوس خلف المكاتب والصالونات الثقافيّة. كانوا مقاومين ميدانيين. قاتلوا العدو الإسرائيلي الذي غزا بلادهم بمنتهى التلقائيّة والعفويّة. ليس صعباً على مَن يتحدّث إليهم، اليوم، أن يلمس ذلك. فرّقتهم الدروب لاحقاً، وأخذتهم الدنيا في مآخذها، لكنّهم، الثلاثة، ما زالوا يمدح بعضهم بعضاً، وبينهم مِن الحميم ما لم ينقطع، إخلاصاً، حنين إلى ساعة جمعتهم قبل 36 عاماً. ذاك الحنين إيّاه إلى أيّام الصفاء.

عمّار الذي شارك في عملية «بسترس» كمناضل شيوعي أصبح لاحقاً رجل دين مُسلماً


مازن عبّود يعمل اليوم سائق أجرة. قبل أيّام كان يُجهّز أوراقه لإجراء عمليّة «راسور» في القلب. ليس في لبنان، بلد المقاومة، وزارة للمقاومة. ما مِن مديريّة ترعى شؤون المقاومين القدامى. مَن يحفظ آخرة هؤلاء الذين، دوريّاً، يُحتفى بهم كأبطال حفظوا الوطن؟ لا يعرف مازن سبب اتصالنا به، يتصوّر أنّها مقابلة تقليديّة، فيقول مباشرة: «نحن ما زلنا مستعدين لنقاوم العدو الصهيوني. تحيّة لكلّ مَن قاوم ولمِن حمل راية المقاومة وتابع وسيتابع». لا يُمكنه التكلّم كثيراً بسبب وضعه الصحّي. مثل مازن مئات، مِمّن لا دول خارجيّة ترعاهم، فيما دولتهم ما زالت كما بدأت تختلف على هويّتها ونوعها وجنسها. لم يعد هناك اليوم اتحاد سوفياتي. باتت تمطر في موسكو ثم لا أحد يرفع المظلّة في بيروت. أولئك، الذين كانوا شبّاناً، وقد أفنوا شبابهم في المقاومة، ها هي الشيخوخة تقرع أعمارهم. فهد مدلج كان، إلى مدّة، مثل رفيقه مازن «يشتغل على السيّارة». الآن يعمل في مستوصف طبّي: «اتصل فيي بعد خمس دقايق. هلق عم بنقل مريض». نعاود الاتصال به ونحادثه. لديه عائلة ما زالت بحاجة إلى إعالته. لكنّه، بكثير مِن الرومانسيّة، يطلب أن «يكون هناك عمل لنقل فكرة المقاومة وثقافتها إلى أولادنا كما حملناها نحن». فهد ما زال شيوعيّاً. يأتي على ذكر لينين، عرضاً، في إشارة مِنه إلى محدّثه أنّه مُلمّ بأفكار المذكور. لعلّ أكثر الأشياء اقتراناً بلينين في نفس فهد هي المثاليّة. يستحضره عندما يتحدّث عن رفيقه السابق عمّار، إيّاه، الذي كان مسيحيّاً ثم شيوعيّاً ثم شيخاً مُسلماً: «عمّار، وين ما كان، بضل رفيقنا وحبيبنا ونحن منعتز فيه. كان شخص كتير طيّب، ومثالي جداً، وصدقني يمكن مثالي أكثر مِن لينين نفسه». ربّما هذه الإشارة، عن المثاليّة، تُفسّر شيئاً مِن رحلة «الرفيق عمّار» في عالم التحوّلات الفكريّة. قيل الكثير عنه، همساً، لكنّه يبقى حرّاً أن يكون حيث شاء... لقد كان مقاوماً وكفى. الحديث عن المقاومة فقط. كم تُشبه رحلة هؤلاء الرفاق الثلاثة، عمّار ومازن وفهد، رحلة الحزب الشيوعي نفسه في التحوّلات والمآلات. قبل سنوات اجتمع الرفاق الثلاثة، وبطريقة ما جعلوا عمّار معهم في جلسة خاصة بعد غياب طويل، فاستذكروا الماضي وحكاياته. يقول فهد مازحاً: «بس يا زلمي ما عاد يشرب كاس. ومع هيك، لما كان عم يحكي عن الذكريات، سهي وقال نحن الشيوعيين، فقاطعته وخبرته لحظة أنت ما عدت شيوعي، وضحكنا مِن قلبنا».
جمعت «جمّول» منذ تأسيسها، قبل 36 عاماً، مقاومين مِن خلفيّات دينيّة ومذهبيّة شتّى. كانت تشبه لبنان في هذه تماماً. عمليّة «بسترس» كان أبطالها ثلاثة: عمّار الآتي مِن خلفيّة مسيحيّة، ومثله مازن، أمّا فهد فمِن خلفيّة شيعيّة. كان ينقصهم، في هذه العمليّة، «المكوّن السُّني» ليكتمل مشهد الفولكلور الوطني على الطريقة اللبنانيّة. كأنّ عمّار أبى لتلك القاعدة أن تُكسر: أصبح مُسلماً سُنيّاً. هذا افتراض مُتخيّل طبعاً، كطرفة مصطنعة، لكنّه، وعلى سورياليّة المشهد، لا يخلو مِن إشارة يفهمها اللبنانيّون جيّداً. ولدت جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة (جمّول) خارج التقسيمات الطائفيّة، وظلّت كذلك، لكنّها كانت في لبنان. هذا اللبنان المطحنة الأبديّة. لعمّار ومازن وفهد، الذين يعيشون بيننا، يُكابدون بصمت، ورفاق لهم مثلهم لا يُشار إليهم، ولكثير مِن الحكايات التي لم تُحكَ بعد... تحيّة وبعد.