تقيم مدينة الهرمل، في البقاع الشمالي، على شفا كارثة بيئية محدقة بسبب افتقادها لشبكة لمياه الصرف الصحي. غالباً ما تفيض مياه الحفر الصحية المنزلية لتغرق الشوارع، فيما استباح كثيرون سواقي المياه في المدينة الغنية بينابيعها، فحوّلوها مجارير مفتوحة ومصدراً للتلوث، حتى لم تعد تصلح لري البساتين التي بدأ اليباس يدبّ فيها.

ومنذ سنوات، تقف بلدية المدينة عاجزة عن حلّ هذه المشكلة التي تزداد استعصاء رغم أن هناك تمويلاً جاهزاً بقيمة 30 مليون دولار لاقامة محطة لتكرير مياه الصرف الصحي في المدينة وفي قرى قضائها. المشروع يموّله الاتحاد الأوروبي ومجلس الانماء والاعمار، ويتألف من ثلاث مراحل. وقد تم تلزيم المرحلتين الأولى لاقامة شبكة للصرف الصحي تربط المدينة بالمحطة المنتظرة، والثانية المتمثلة بتلزيم خط الضخ الرئيس باتجاه المحطة، أما المرحلة الثالثة والأخيرة للمشروع والمتمثلة بتمديد شبكات قرى القضاء الى المحطة فتحتاج الى دراسة وتلزيم. إلا أن الحجر الأساس في المشروع كله لا يزال ضائعاً، وهو يتمثّل في موقع بناء المحطة!
قبل نحو أربع سنوات اشترت البلدية عقاراً قريباً من بلدة الشواغير المجاورة. إلا أن اعتراضات الأهالي دفعت الى تغيير المخطط واختيار موقع في منطقة وادي العيون القريبة من نهر العاصي ما أثار احتجاجات واسعة خشية أن تلوث المحطة النهر الذي يعدّ شريان حياة للمدينة، أدّت الى صرف النظر عنها. أخيراً، وقع اختيار اتحاد بلديات الهرمل على عقار في منطقة حوش السيد علي، قرب الحدود السورية. «وقد راعينا في اختيار المكان بعده عن السكان. إذ أن المنطقة جرداء، واقرب موقع سكني اليها يبعد ثلاثة كيلومترات»، بحسب ما أكّد رئيس الاتحاد نصري الهق لـ«الأخبار».
إلا أن الموقع الجديد، هو الآخر، يواجه اعتراضات جدية. فقد اعتصم اول من امس عدد من اهالي بلدات حوش السيد علي والبويضة وحوش اسماعيل وضهر البيت ـــــ حيرا، عند جسر العاصي، وقطعوا الطريق لبعض الوقت رفضاً لمشروع «تهجيرنا من قرانا وبلداتنا بعدما دفعنا دماء لتحرير حدودها من التكفيريين والارهابيين»، كما قال احد المعتصمين.
وكان أهالي البلدات المذكورة، القاطنون على ضفاف نهر العاصي على الحدود السورية ــــ اللبنانية، رفعواً كتاباً خطياً مرفقاً عريضة موقعة من الأهالي الى قائمقام الهرمل طلال قطايا ومحافظ بعلبك ــــ الهرمل بشير خضر طالبوا فيه بمعالجة موضوع محطة تكرير الصرف الصحي سريعاً «لما فيه مصلحة بلداتنا وصحة اطفالنا وعائلاتنا ومزارعنا».
مختار حوش السيد علي محمد ناصر الدين اوضح لـ«الأخبار» أن الاتحاد «اشترى اراضي زراعية في محيط بلداتنا من دون استشارة الأهالي، خصوصا أنه لا وجود لسلطات ادارية محلية (بلديات) في هذه القرى يمكنها متابعة تنفيذ المشروع وتفاصيله ولما يمكن ان يتسبب به من اضرار صحية وبيئية ومخاطر على المياه الجوفية ومجرى نهر العاصي». واعتبر أن مخاوف الأهالي من تشغيل المحطة «مشروعة لما نسمعه يوميا عن معاناة الأهالي في ايعات واليمونة»، لافتاً الى أن المشروع واجه اعتراضات في أكثر من مكان وصرف النظر عنه فلماذا تنفيذه ضمن نطاق بلداتنا؟».

رئيس الاتحاد: المنطقة جرداء، وأقرب موقع سكني اليها يبعد ثلاثة كيلومترات


رئيس اتحاد بلديات الهرمل أكّد أن دراسة الأثر البيئي «أنجزت بعد تقارير من وزارات البيئة والصحة والزراعة، والمحطة لن يكون لها تأثير سلبي على المنطقة، ومن يتحدث عن اضرار فهو يعترض من باب مصلحة شخصية. ولزيادة الطمأنينة، تعهّدنا كاتحاد بلديات برفع الضرر عن كل متضرر في ما لو حصل، فضلاً عن تأكيدنا على دورنا الرقابي بالتدخل لمراقبة الشركة التي ستتولى تشغيل المحطة لاحقاً».
لكن هل فعلا ثمة اراض زراعية في المنطقة المزمع تنفيذ مشروع الصرف الصحي فيها؟. يؤكد نائب الهرمل ايهاب حماده أنه «إذا كان هناك متر زراعي واحد في منطقة تنفيذ المحطة سنقف الى جانب المعترضين». ولفت الى أن الموقع الذي تم اختياره «عبارة عن ارض جرداء خالية من السكن، والمحطة ستشغل 2000 متر مربع من اصل 300 ألف متر مربع اشتراها الاتحاد وسيتم تشجيرها من المياه المكررة». وأشار الى أن «بعض أصحاب الاراضي المحاذية لاراضي المشروع يسعون خلف منافع شخصية، فيعترضون بهدف دفع الاتحاد لشراء عقارات اضافية بأسعار يفرضونها، كما ان بعضهم يريد الحصول على تعهد بتوظيف ابنائه والا اعترض على المشروع». وشدّد على ان «الدراسات التي انجزتها الوزارات المعنية وجهات دولية حول المشروع أكّدت ان لا ضرر منه».