تعود أهميّة «قصر أسمهان» لناحية العمارة إلى أنه صمّم على يد المهندس المعماري مارديروس ألتونيان (1889- 1958)، الذي ترك بصمة في فنّ العمارة في لبنان وكان من رواد الـ «آرت ديكو» الذي راج في الثلاثينيات. وألتونيان صمّم مجلس النواب اللبناني، ساحة النجمة أو ساعة العبد، كاتدرائية مار بطرس في حريصا، وغيرها من المعالم.

(مروان بوحيدر)

أما بالنسبة إلى «قصر أسمهان» فقد «بدأ بناؤه تقريباً عام 1935 لصالح رجل الأعمال الأرميني ــــ اللبناني أبرو أوبريان» كما يشير مالكه الحالي جمال حمود من دون أن يضيف أي توضيح آخر بشأن الفنانة أسمهان. ويفيد البحث عن اسم أوبريان بأنه كان من مؤسسي غرفة التجارة والصناعة في لبنان، وأحد أهمّ مطوّري صناعة النسيج في البلد، وكان يملك واحداً من أكبر مصانع النسيج في منطقة برج حمود، قبل أن يتوقّف عن العمل وتشرّع مساحته الواسعة للفراغ.

القصر من الداخل
يبدو القصر من داخله أشبه بلوحة مشغولة بإتقان ومتروكة للزمن. صخب الزوار من البرجوازيين لا زال يتردّد في المكان. فساتين راقية متروكة في خزائن غرف النوم. يتجوّل جمال حمّود في أرجاء القصر الذي اشترته عائلته «قبل 28 سنة» كما يقول، ينزل على الدرج الواسع من الطبقة الثالثة حيث غرف النوم إلى الطبقة الوسطى حيث تتوزّع صالونات عدّة لكلّ منها «ستايل» خاص. منها المطرّز والأوروبي الطراز ومنها المحفور أو المصنوع من خشب الكرز، فيما يبلغ عمر أقدم الصالونات نحو 300 سنة. في كل زاوية تقريباً، تُعرض تحفة أو قطعة أنتيكا لها قصّة مختلفة. على الطاولات الوسطيّة برونزيات وفازات عتيقة. في إحدى الزوايا بيانو، وفي أخرى موقدة ومجموعة كتب بلغة أصحاب البيت الأوائل. على الشرفة الواسعة بواجهتها الزجاجيّة الكاشفة على تلال العباديّة والبحر، طاولة سفرة بيضاء اللون مع كراسٍ باللون نفسه، لا ينقص الطاولة إلاّ صحن فواكه مشكّلة ليكتمل المشهد بأناقة أوروبيّة فريدة. فوق السفرة تماماً، أُقفلت حديثاً منافذ الضوء التي كانت تشقّ السقف، كانت تلك الفتحات مصنوعة من الزجاج الشفاف ومكشوفة على المسبح العلوي وزرقة السماء.

(مروان بوحيدر)

في القصر تفاصيل كثيرة تستحوذ على اهتمام الداخل إليه. الجدران العريضة مثلاً، تشكّل حافزاً لمزيد من الأسئلة حول فنّ العمارة الذي بني به القصر. يبلغ عرض الجدران في الطبقة الوسطى نصف متر. أما في الطبقة السفلى حيث غرف الغسيل والطهي والإسطبل، فيصل عرض الحائط إلى «متر» وفق حمود. بين الطبقات وفي أحد الأروقة آلة قديمة تسمح بالاتصال بغرف العاملين عبر أزرار خاصة. ويبدو أن العاملين في القصر كانوا كثراً إذ خُصِّص لهم جناح منفرد ووسطي بين الطبقتين الثانية والثالثة. من الواضح أن القصر لم يبنَ على عجل. بناء مميّز على قدر كبير من البذخ. وفي السياق يلفت حمّود إلى «أن كلّ حجر منحوت في واجهة القصر كان يكلّف في ذاك الوقت ليرة ذهبية». وهو ما يجعله يفترض أن «بناء قصر كهذا اليوم مكلف للغاية». الأحجار المصنوعة منها واجهة القصر مستطيلة ومصقولة لتنال شكلاً خارجياً مدوّراً ومنتفخاً. يعتبر حمّود بالاستناد إلى خلفيّته كاختصاصي بالديكور والتصميم، أن «الهندسة المعمارية الخاصة بالقصر تضعه في خانة الـ«Art Déco».
بُني القصر بنيّة إهدائه لأسمهان لكنّها لم تتملّكه ولم يسجّل باسمها

يرغب حمود في بيع القصر ولملمة صور عائلته المنتشرة على الجدران والرفوف بما فيها صور جدّيه المعروضة في «الأنتريه». يعتزم الرحيل من دون أن يغيّر شيئاً أو يأخذ الكثير، ما عدا تحفة واحدة تعني له لأنها وصلته عن طريق جدّته في أوستراليا وهي بدورها حصلت عليها من عائلة يهودية نازحة إبان الحرب العالمية الأولى، ويرجّح أن يبلغ عمر القطعة المصنوعة من البرونز 300 سنة، وهي تمثّل صبياً وكلباً. في فترة سابقة، تحوّل القصر إلى مكان لإقامة الأعراس والحفلات وتنظيمها. وهو ما أدخل تعديلات على الباحة الخارجية للقصر، انسحبت على إغلاق نافورة الماء المتدفّق من فم أسد، وإقفال خمارة النبيذ حيث صنعت أفضل أنواعه لأصحاب البيت. في الحديقة، كانت تماثيل رخام وعواميد منصوبة، لكنها الخسارة الوحيدة التي عرفها القصر خلال الحرب. على الجهة الشرقية للقصر ممرٌّ للأحصنة نحو الاسطبل وقد رُدم بدوره، في تلك الفسحة كانت تركن عربات الخيل والسيارات الفخمة قديمة الطراز. هذا يوم كان القصر عابقاً بالناس. أما اليوم، فيوجد بجانب القصر باب متين من الخشب والحديد تنحّى جانباً بعدما كان يشكّل الباب الأساسي للحديقة والمدخل. حلّ اليوم باب من الحديد مكانه، وهو يتوسّط واجهة القصر التي يصل طولها إلى 250 متراً، تجمّلها أشجار السرو المحيطة به.


ما علاقة أسمهان؟
ثمة أكثر من رواية حول «قصر أسمهان» وعلاقته بالراحلة الفنانة آمال الأطرش (شقيقة فريد الأطرش) المعروفة بأسمهان (1917 ــــ 1944). تقول إحداها إن أسمهان تملّكت القصر وكانت تزوره في الصيف وثمة صورة لها فيه. لكن الفرضيّة الأرجح أنه بني على اسمها تكريماً لها، من دون أن تتملكه كما يشير السجل العقاري. وذكرت توضيحات نُشرت سابقاً صادرة عن عائلة الأطرش أن «أميرة جبل العرب أسمهان»، كما تفضّل العائلة التي حكمت الجبل أن تسميها، كانت قد طلبت من الجنرال سبيرز الافراج عن شاحنات حديد يملكها أبرو أوبريان إثر احتجازها في القدس. وإثر هذه المساندة منها قرر رجل الأعمال بناء قصر في ضهور العبادية في عاليه ليهديه إليها، «من دون أن يكون قد سجله باسمها في السجل العقاري». (توضيح وارد عام 2000 في جريدة الشرق الأوسط، من عماد منير الأطرش، ابن شقيق الأميرة آمال الأطرش)