السعي الى إنشاء منتزهات عامة ومجالات مفتوحة على طول ساحل بيروت أمر أساسي لحماية شاطئ المدينة وواجهتها البحرية. لعلّ هذه الخلاصة تختصر نتائج دراسة «المنطقة العاشرة في بيروت حول شاطئ المدينة» التي أطلقت نتائجها، أمس، في نقابة المهندسين في بيروت. الدراسة خلصت، أيضاً، إلى أن إزالة التعديات والمخالفات على الشاطئ بإمكانها تطوير سياسة إقتصادية مستدامة وطويلة تنتفع منها شريحة من الناس أوسع بكثير مما يحصل حاليا، عوضا عن حصر أرباح المنتجعات القائمة على الشاطئ بأصحابها.

لحِظ المخطط التوجيهي لـ«سوليدير»، منذ نحو عقدين، إنشاء حديقة عامة على الواجهة البحرية لمدينة بيروت. حتى الآن، لم تبادر الشركة العقارية الى المباشرة بتجهيز الحديقة التي تعد من أهم المجالات العامة التي تستقطب ناس المدينة. على طول الواجهة البحرية نفسها، ثمة عقار مُهمل يطل على شاطئ الرملة البيضاء. هذا العقار كان مُفترضاً أن يكون، منذ سنوات طويلة، حديقة عامة أيضا تطل على بحر بيروت. حتى الآن، لا يبدو أن بلدية بيروت تملك «النية» لتأهيله وجعله مكاناً عاماً يرتاده سكان العاصمة الذين يبحثون يومياً عن متنفس لهم.
الحديث عن الحديقتين يأتي في سياق الإشارة الى إنعدام الأماكن العامة المفتوحة على طول الواجهة البحرية لبيروت، فيما يعاني الشاطئ من تعديات شوهّت الساحل وأقفلت معظمه في وجه أبنائه.
بحسب أستاذة التخطيط المُدني في الجامعة الأميركية في بيروت منى فواز، فإنّ حماية الملك العام مرتبطة بعلاقة الناس به. وبالتالي، ارتياد الناس للأماكن العامة واستخدامها كفيل بدفعهم الى حمايتها عبر الاحتكاك بها والتنبّه الى أهميتها بوصفها مجالاً عاماً مفتوحاً. انطلاقاً من ذلك، تخلص دراسة «المنطقة العاشرة في بيروت حول شاطئ المدينة» (أعدّها برنامج «العدالة الإجتماعية والمدينة» في «معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية» في الجامعة الأميركية» بالتعاون مع «بيروت مدينتي»)، إلى توصية بوجوب إلزام «سوليدير» انشاء المنتزه العام «فوراً ومن دون أي مماطلة إضافية وفق ما نصّ عليه القانون منذ أكثر من عقدين»، إضافة إلى «تجهيز طول الساحل بمنشآت عامة تستجيب لحاجات الناس وتُسهّل الولوج اليه والتمتّع به».
نتائج الدراسة عُرضت في مؤتمر صحافي عُقد أمس في مبنى نقابة المهندسين في بيروت، بحضور نقيب المهندسين جاد تابت. وهي نتاج مسح كامل للأملاك البحرية الخاصة والعامة، إضافة الى رصد ماهية ممارسات الناس الإجتماعية على طول الساحل وامتداد التراث الطبيعي والمبني ومدى الإعتداءات على الاملاك العامة البحرية ومصادر التلوث. وتهدف إلى وضع حلول عملية وواقعية لإعادة تنظيم ساحل بيروت.
ويقول معدّو الدراسة إن ميزتها تكمن في واقعيتها، «كونها تطرح حلولاً واقتراحات يمكن تنفيذها في الوقت الراهن». أمّا الهدف الأساس من الدراسة، فهو «وضع نتائجها في تصرّف الجهات الرسمية، على رأسها بلدية بيروت ومديرية التنظيم المدني، وتزويد هذه الجهات بنظام يحدد استعمال الأراضي اضافة الى جملة إقتراحات تهدف الى تطوير الساحل».
اللافت هو ربط الدراسة تطوير الساحل عبر إزالة التعديات والمخالفات والحفاظ على وحدة الشاطئ بإمكانية تطوير سياسة إقتصادية مستدامة وطويلة الأمد يمكن أن تنتفع منها شريحة من الناس أوسع بكثير مما يحصل حالياً.
وغالبا ما يتذرّع أصحاب المنتجعات السياحية الضخمة على ساحل بيروت، دفاعاً عن تعدّياتهم على الملك العام، بفرص العمل التي تخلقها مؤسساتهم لكثير من أهل المدينة. إلّا أن النتائج «بيّنت مدى هشاشة هذه الوظائف ومحدوديتها وشبه انعدام فرص تطوير قدرات العاملين والعاملات فيها وتفرّد القيمين عليها بالإنتفاع بالأرباح التي تنتجها». ولفتت الدراسة الى أن واجهة بيروت البحرية «باتت عبارة عن أبنية سكنية للأغنياء الذين ينفقون الملايين لشراء منظر البحر»، مُشيرة الى أن هذه المقاربة القائمة على الربح السريع وجني ملايين الدولارات في عملية تجارية واحدة خلال تشييد وحدات سكنية باهظة الثمن وبيعها، «قضت على إمكانية تطوير سياسة اقتصادية مستدامة وطويلة الأمد يمكن أن تنتفع منها شريحة أكبر من الناس».

على طول الواجهة البحرية لبيروت تنعدم الأماكن العامة المفتوحة فيما الشاطئ مقفل أمام سكانها


المهندسة المعمارية التي شاركت في إعداد الدراسة يارا حمادة قالت لـ «الأخبار» إن تطوير الساحل وإزالة المخالفات عليه والحفاظ على تسلسل الشاطئ وجعله مفتوحا أمام المقيمين في المدينة من شأنه أن يستقطب مختلف الطبقات الإجتماعية وسيُساهم في خلق نشاط إقتصادي متنوع. ولفتت الدراسة إلى أنّ هذا النموذج كان ميزة الساحل قبل الحرب الأهلية، إذ «أن غالبية المنتجعات والفنادق التي شيدت في عين المريسة والروشة والزيتونة حافظت على الساحل حين كان البناء محظورا بموجب التصميم التوجيهي الصادر عام 1952». لذلك، اقترحت «نقل» المؤسسات والأبنية القائمة الى العقارات «الداخلية» المطلّة على الكورنيش البحري، بحيث يبقى الشاطئ خاليا إلا من الاستثمارات الصغيرة التي لا تتضمّن إنشاءات. وتتمثّل طريقة «النقل» بإجراء نوع من المقايضة بين بلدية بيروت وأصحاب العقارات الخاصة. إذ أن البلدية، بحسب حمادة، تملك كثيراً من العقارات «الداخلية»، ويمكنها استملاك العقارات الخاصة الملاصقة للشاطئ ومقايضتها بها. وهذا «الحلّ الأمثل، لا يتطلّب بالضرورة استملاكات ضخمة، ولا يرتب أكلافا في حال تم اللجوء الى آليات المقايضة والتعويض العادل. كما يتحقق من خلال إعادة تنظيم وتصويب إجراءات البناء المعمول بها حالياً».
ماذا عن الأبنية الضخمة كالفنادق والمطاعم الكبيرة؟ هنا يبرز نقاش بين المؤتمرين أنفسهم. البعض اعتبر أن «العقلانية» تفترض تجنّب مسألة الهدم والتركيز على الإستملاك، في مقابل من يرون بضرورة الهدم على نفقة المخالف. فبعض الأبنية لم يحز على رخصة إشغال ملك عام بحري، كمبنى مشروع «إيدن باي» الذي «يستوجب الهدم طالما أنه لا يملك رخصة ويعد قانوناً مخالفاً»، على حدّ تعبير نقيب المهندسين، لافتا الى أن تأهيل الساحل يتطلب معالجة هذه الإنشاءات الكبيرة أولا.
ورغم أن نتائج الدراسة «عملية» و«قابلة للتطبيق بسهولة»، بحسب فريق المهندسين المعماريين الذين أعدّوها، إلّا أن هناك شبه إجماع على صعوبة تطبيقها في ظل غياب الإرادة السياسية لمكافحة المعتدين وفي ظل تورط أصحاب القرار أنفسهم في ملف التعديات ورعايتهم لها.