السكوت ليس دائماً علامة رضى. في أحيان كثيرة، يحمل السكوت تواطؤاً، خصوصاً متى تعلّق الأمر بقضية بحجم 40 عاماً من التناسي، كقضية المفقودين والمخفيين قسراً. قبل أسابيع قليلة، احتفل العالم بيوم المفقودين، وفي لبنان احتفل أهالي هؤلاء بـ43 عاماً على غياب قضيّتهم من جدول أولويات الدولة التي لم تقم بأقل واجباتها، كأن تحصي عددهم وتحدّد ظروف اختفائهم لتسلك الطريق الذي قد يقود إلى معرفة مصيرهم. لم تفعل ولن تفعل ذلك. والدلائل كثيرة، مثلاً، مشروع قانون «إنشاء الهيئة الوطنية للكشف عن مصير المفقودين» الذي استغرق وصوله إلى طاولة الهيئة العامة لمجلس النواب 43 عاماً!

الأدلة على تجاهل الدولة لمصير آلاف المفقودين والمخفيين كثيرة، ليس آخرها إدارتها «الأذن الطرشاء» حيال طلب فريق الأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي زيارة لبنان. هذا الطلب قُدّم في 27 تشرين الثاني 2015. ثلاث سنوات مرّت، ولم يحصل الفريق على جواب رسمي من الدولة اللبنانية، لا رفضاً ولا قبولاً. فقط «نأي بالنفس»، على رغم أن لبنان «ملزم باستقبال الوفد، كونه وجّه دعوة مفتوحة لجميع الفرق الأممية لزيارته من دون شروط»، على ما يقول عضو اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بسّام القنطار.
ثلاث سنوات ولا جواب، على رغم تكرار الطلب، أو بالأحرى التذكير به، أكثر من مرة، على ما يشير تقرير الفريق المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي الذي عرض في الدورة 39 لمجلس حقوق الإنسان (يعقد حالياً في جنيف من 10 إلى 28 أيلول)، من دون أن يتلقى إجابة من الدولة اللبنانية.
لماذا؟ لأن الأمر يحتاج إلى «قرار سياسي»، بحسب القنطار. وهو القرار الذي لم تتجرأ السلطة على اتخاذه في هذه القضية العالقة منذ أربعة عقود.

الحكومة لم تستجب منذ 3 سنوات لطلب فريق أممي بزيارة لبنان لمتابعة الملف


على هذا الأساس، ليس مطلوباً من الدولة سوى الجرأة والشجاعة لاتخاذ قرار يسمح بدخول المقررين الخاصين للقيام بعملهم. لا شيء أكثر ذلك. فالصمت لا يعني سوى «وضع لبنان في موقع المتراجع عن التعهدات السابقة أمام مجلس حقوق الإنسان»، بحسب ما يورد القنطار في تقريره الخاص على موقع «الاستعراض الدوري الشامل» (UPR – LEBANON). وهي التعهدات التي كان آخرها قبول لبنان، في آذار 2011، «بعض التوصيات التي صدرت خلال الاستعراض الدوري الشامل في تشرين الثاني 2010 في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وكانت إحدى هذه التوصيات قبول طلبات زيارات خبراء الأمم المتحدة إلى البلاد».
إذاً، القرار سياسي وليس لوجستياً. وفي هذا الإطار، تستغرب رئيسة لجنة المفقودين والمخفيين قسراً لامبالاة السلطة تجاه قضيتهم، مطالبة بمعرفة حقيقة «عدم رد» الجهات المعنية. وهو توضيح مطلوب من الدولة، ممثلة بوزارة الدولة لحقوق الإنسان. الجواب الذي أتى من هناك، هو التأكيد أن لا دعوة وجّهت إلى الدولة للموافقة عليها، على رغم أن الدعوة موجهة منذ عام 2015.