خلال الأشهر الماضية، بدأت شركات القطاع الخاص تمديد شبكات «ألياف بصرية» تتيح لها تقديم سلّة من الخدمات للزبائن، أبرزها نقل المعلومات والانترنت والصوت والصورة. في موازاة ذلك، بدأت «أوجيرو» تنفيذ مشروع مماثل لمدّ ما بين 11000 و15000 كيلومتر من الألياف الضوئية في كل المناطق اللبنانية بما يتيح للمستهلكين الولوج إلى شبكة الإنترنت بسرعة 50 ميغابيت/ ثانية.

اثارت هذه الخطوات جدلاً واسعاً حول قانونية منح شركتين من القطاع الخاص حق استعمال المسالك الرسمية لمدّ خطوط الـ«فايبر أوبتيك» الخاصة بها واستعمالها. وصدر قرار عن مجلس شورى الدولة بوقف تنفيذ التراخيص بناء على طعن قدّمته نقابة مستخدمي «أوجيرو» والاتحاد العمالي العام والمحامي علي كمال عباس، ما دفع بوزير الاتصالات جمال الجراح إلى إصدار قرارات بفتح باب الترخيص لأي شركة اتصالات مستوفية للشروط القانونية للحصول على حق مدّ شبكة «فايبر أوبتيك» وإدارتها واستعمالها بعد تسديد رسوم للدولة في أي منطقة لا تكون لـ«أوجيرو» شبكتة فيها. وفي هذه الحالة، سمحت الوزارة لشركات القطاع الخاص باستئجار ألياف ضوئية من «اوجيرو»، وبيع الخدمات للسكان والمؤسسات.
بمعزل عن الجدل القانوني حول شرعية التراخيص، فإن قرارات الجراح ترتّب نتائج تجارية واضحة على ثلاثة أطراف: «أوجيرو» بصتفها الجهة التي تمثّل الدولة، شركات القطاع الخاص المرخّصة، وشركات القطاع الخاص غير المرخصة.
بالنسبة لـ«أوجيرو»، فإن مشروع مدّ الشبكات انطلق قبل أسابيع وسيستمر لمدّة أربع سنوات حتى يغطّي كل المناطق اللبنانية. وبحسب رئيس الهيئة ومديرها العام عماد كريدية، فإن هذا المشروع لا ينحصر بتقديم خدمة انترنت بسرعة كبيرة، بل ستكون لدى الهيئة القدرة على تقديم سلّة مكوّنة من 21 خدمة من بينها داتا المعلومات والصوت والصورة لكل مشترك، وستكون هناك مجموعة واسعة من الخيارات لإنعاش إيرادات الهاتف الثابت عبر بعض هذه الخدمات. وهذا التطوّر يتوقف على رغبة الدولة في تعزيز المنافسة، لأن التسعير مرتبط بصدور قرارات عن مجلس الوزراء، على عكس ما يحصل في القطاع الخاص الذي لديه مرونة واسعة في تقديم الخدمات بأسعار منافسة.
رغم ذلك، فإن الوقائع السوقية لا تشي بأن هناك تغيرات واسعة في الحصص السوقية. حتى الآن تسيطر «أوجيرو» على حصّة كبيرة تفوق 70% من مجمل مشتركي الانترنت الرسميين. وحصّة الدولة من المشتركين مشابهة لكبريات الشركات الرسمية مثل «دويتشه تيليكوم» الألمانية التي تستحوذ على 75% من المشتركين في بلادها، و«بريتيش تيليكوم» البريطانية التي تستحوذ على 70% من المشتركين في المملكة المتحدة، و«فرانس تيليكوم» التي تستحوذ على 70% من المشتركين في فرنسا. «لا يوجد منطق في الحديث عن احتكار القطاع الخاص والقدرات الخارقة على منافسة أوجيرو» وفق حبيب طربيه، رئيس مجلس إدارة شركة «غلوبال داتا سرفيسز» (جي دي اس). أما ما يقال عن استحواذ القطاع الخاص على كبريات الشركات التي تستهلك كميات كبيرة من الانترنت، فليس دقيقاً، إذ أن كل هذه الشركات لديها اشتراكات مع القطاع الخاص واشتراكات إضافية مع أوجيرو فضلاً عن ان للدولة حصّة من اشتراكاتها لدى القطاع الخاص.
وبحسب المعلومات المتداولة في السوق، فإن شركات القطاع الخاص المعنية بمدّ شبكات «فايبر أوبتيك» تنتظر تمديد شبكات «أوجيرو» لاستئجار «خطوط» منها، في كثير من المناطق، نظراً الى الكلفة المرتفعة لمدّ شبكاتها الخاصة وتركيب أجهزتها في السنترالات. ولا يمكن أياً من الشركات أن تقوم بأي عمل إلا بموافقة «أوجيرو» وبإشرافها. ومع تمديد كل خط «فايبر أوبتيك»، يتوجب على الشركات أن تمدّ خطاً لـ«أوجيرو»، علماً بأن ما تمدّه لن يكون ملكها بل سيكون لديها حصرية استعماله مقابل بدلات مالية تدفعها للدولة.
هذا الواقع يعني أن التنافس بين القطاعين العام والخاص، وبين شركات القطاع الخاص بعضها بعضاً، سيكون على الحصّة السوقية غير الشرعية وعدد مشتركيها يقدر بنحو 500 ألف، أي ما يوازي عدد المشتركين في السوق الرسمية بكاملها.
تظهر هذه التطورات أن التنافس بين القطاعين العام والخاص لم يعد مجرّد أقاويل، بل بات أمراً جدياً في السوق. وبحسب طربيه، فإن القطاع الخاص كان مبادراً لتطوير هذا القطاع ولا مصلحة له بأن يتحوّل في أي شكل من الأشكال إلى كتلة احتكارية، إلا أن ما حصل خلال السنوات الماضية هو أن الدولة تقاعست عن القيام بواجباتها ما ترك فراغاً كبيراً عملت الشركات على سدّه. فعلى سبيل المثال، تأخر تطبيق تقنية DSL عشر سنوات بسبب التجاذبات السياسية «وكان القطاع الخاص وراء إقرارها من خلال شركات مقدمي الخدمات».
واللافت، بحسب طربيه، أنه بالاستناد إلى تقاعس الدولة وجهت اتهامات للقطاع الخاص بالاحتكار فيما كانت نتائج التأخير تكرّس القطاع غير الشرعي وتوسعه على حساب المداخيل التي يمكن أن تحققها الخزينة العامة. وفي رأيه أن الهجوم على القطاع الخاص «لم يكن مبرّراً»، لأن كل ما قامت به الشركات كان بالتعاون مع الدولة ومن خلال استعمال بنيتها التحتية التي بقيت ملكاً لها، وكان القطاع الخاص أحد زبائن الدولة مثله مثل باقي الزبائن. قدرته على تقديم الخدمات، وامكاناته في التطوير رفعت مكانته إلى الوضع الحالي. «حالياً، من كل زبون لدى القطاع الخاص هناك حصّة للدولة مختلفة عن الحصّة المباشرة التي تحصل عليها من زبائنها بالمفرق. الشركات تدفع على كل وصلة اتصالات على الشبكة، وندفع نسبة مئوية على استعمال الخطوط ونحصل على الانترنت من الدولة حصراً. من الخطأ أن نضع القطاع الخاص بمواجهة القطاع العام فيما هما لا يأكلان من الصحن نفسه».
كذلك، وجهت اتهامات بأن الدولة تخصخص البنية التحتية للاتصالات، علماً بأن «الواقع مختلف كلياً»، يقول طربيه، مضيفاً: «على سبيل المثال، في فرنسا يمكن لأي من الشركات أن يحصل على ترخيص. وبموجب هذا الترخيص يمكن للشركات أن تنشئ شبكة كاملة مستقلة عن شبكة الدولة وأن تستعملها بشكل حصري ولا تدفع إلا ضريبة الأرباح فقط. أما في لبنان فإن عمل الشركات مشروط بالتعاون مع وزارة الاتصالات وليس لديها أي نوع من الاستقلالية، وهي تدفع رسوماً إضافية على ضريبة الأرباح. ندفع اليوم على كل زبون لدينا 3000 ليرة بالإضافة إلى 20% من وارداتنا الإجمالية».

الشراكة بين القطاعين العام والخاص لا تشمل البنية التحتية التي تعود للدولة وحدها


والشراكة بين القطاعين العام والخاص في قطاع الاتصالات لا تشمل البنية التحتية التي تعود للدولة وحدها، أي أنه ليس هناك أي نوع من الخصخصة، بل تحصل الشركات على حق استعمال شبكات الدولة وتركيب أجهزتها في سنترالات الدولة، وتحصل على الانترنت منها وتقدم خدمات للزبائن بالمنافسة مع ما تقوم به الدولة عبر «أوجيرو».
هذه الشراكة بدأت مع خدمة DSL على شبكة الهاتف النحاسية، وامتدادها اليوم على شبكة الـ«فايبر أوبتيك» أمر طبيعي للحاق بالتطور التكنولوجي الذي تأخر عشر سنوات بين النصف الثاني من التسعينيات وعام 2007 حين أقر تطبيق تقنية DSL. واليوم ثمة تأخير بضع سنوات بالنسبة لاستعمال شبكة «فايبر أوبتيك».
المشكلة في هذا القطاع أن تقاعس الدولة عن تطويره في السنوات الماضية، فوّت على الاقتصاد فرصة كبيرة. فعلى سبيل المثال، كانت شركة «أوراكل» العالمية تنوي فتح مكاتب لها في لبنان في منتصف العقد الماضي، لكنها أغرقت بمفاوضات وسجال سياسي وزبائني واسع دفعها إلى الهرب نحو مصر حيث وقعت اتفاقاً مع الحكومة المصرية خلال أسبوع واحد فقط. خسارة الاقتصاد اللبناني كانت كبيرة، لأن الشركة كانت ستفتح الباب أمام اكثر من ألفي فرصة عمل في لبنان، بحسب معنيين بقطاع الاتصالات، فضلاً عن حجم أعمال كبير يمرّ بواسطتها انطلاقاً من بيروت.