إذا سارت الأمور كما يشتهي كثر في مجلس النواب، فإن العجز الذي يشكو وزير المالية من تفاقمه هذا العام، سيكون مرشّحاً للازدياد نحو 1400 مليار ليرة دفعة واحدة، أي ما يقلّ قليلاً عن مليار دولار. وهذا المبلغ هو مجموع الاعتمادات الإضافية التي يُعمل على تمريرها، عبر اقتراحات قوانين معجلة مكررة، ستكون مخصصة لمجلس الإنماء والإعمار والهيئة العليا للإغاثة ومؤسسة كهرباء لبنان.

وهذا المبلغ الكبير، الذي يشكل نحو خمسة في المئة من قيمة الإنفاق المقدَّر في موازنة 2018 كلها (24 ألف مليار)، يفتح نقاشاً مرتبطاً بقدرة السلطة الحالية ومدى سعيها لمعالجة الأزمات التي يعاني منها البلد، ولا سيما المالية، في الوقت الذي تمعن فيه بزيادة العجز والهدر مقابل زيادة المديونية.
من بين هذه الاقتراحات، كانت مطالبة مؤسسة كهرباء لبنان بسلفة لتغطية حاجتها إلى الفيول تتصدر النقاشات، ولا سيما بشأن الطريقة الأفضل لإعطائها هذه السلفة، وكيفية تغطيتها.
وفيما كانت مصادر وزارة الطاقة قد أكدت أنه جرى الاتفاق على أن يُوقع كل من رئيسي الجمهورية والحكومة ووزير المالية مرسوم نقل اعتماد من احتياط موازنة 2018 إلى موازنة وزارة الطاقة لتغطية حاجة المؤسسة، أكدت مصادر وزارة المالية أن هذا الخيار غير ممكن عملياً، لأن بند احتياط الموازنة يكاد يكون فارغاً، في حين أن مؤسسة كهرباء لبنان تطلب نحو 640 مليار ليرة لتغطية شراء المزيد من الفيول والغاز الكافية حتى نهاية السنة، تُضاف إلى 2100 مليار كانت قد لُحظت في الموازنة (المبلغ الذي رصد للمؤسسة في عام 2017 أيضاً)، بعدما لم يُستجَب لطلب كهرباء لبنان الحصول على ما يقارب 2770 مليار ليرة عند إقرار الموازنة.
وعليه، وبالرغم من تأكيد وزير المالية علي حسن خليل تأييده لإصدار مرسوم استثنائي يسمح بإعطاء سلفة إضافية لمؤسسة كهرباء لبنان، إلا أنه يؤكد، في الوقت نفسه، أن المشكلة ليست في آلية توقيع المرسوم بحدّ ذاتها. ويوضح أنه حتى لو أُقرَّ المرسوم من الحكومة، فإن المشكلة الفعلية تكمن في قيمة المبلغ، أولاً لأنه لم يسبق أن نُقل مبلغ من الاحتياط بهذا الحجم، وثانياً لأن عدم وجود هذا المبلغ في الاحتياط يفرض تأمين إيرادات للسلفة، وهو ما ليس ممكناً إلا بقانون يقره مجلس النواب، الذي يجب عليه أن يقرر من أين يأتي بالمال ليغطي السلفة. وعليه، فإنه حتى مساء أمس لم يكن قد جرى التوصل إلى اتفاق على الآلية الأفضل لحل هذه المشكلة، إن كان بطرحها على مجلس النواب مباشرة، أو يإيجاد وسيلة قانونية تسمح بإقرار المرسوم، على أن تؤمَّن اعتماداته لاحقاً.
ليس هذا فحسب، فالحاجة إلى مجلس النواب يفرضها، نظرياً، قانون المحاسبة العمومية، الذي ينص، في المادة 205، على عدم إمكان إعطاء سلفة لمؤسسة عامة بمهلة سداد تتخطى السنة إلا بموافقة السلطة التشريعية (هذه المادة غالباً ما لا يؤخذ بها، لأنها ببساطة غيضٌ من فيض المخالفات المرتكبة والمتمثلة بعدم ردّ السلف منذ سنوات طويلة).
لكن في المقابل، إلى أيّ مدى تحتاج المؤسسة لهذا المبلغ؟ وماذا ستكون عواقب عدم الحصول عليه؟ تعتبر المؤسسة أن هذه الزيادة تعود إلى ارتفاع أسعار النفط، من نحو 65 دولاراً إلى 80 دولاراً للبرميل، وهي في أغلبيتها الساحقة مطلوبة لتغطية ثمن محروقات وجزء يسير منها لتغطية ديون مستحقة على المؤسسة لسوريا، عن العام الماضي، ولتغطية ديون أخرى تعود إلى فترة التسعينيات. أما الهدف، فهو المحافظة على المستوى الحالي للتغذية بالتيار.
وإذا كانت وزارة الطاقة تبرر الحاجة إلى المبلغ بالحاجة إلى استمرار المرفق العام، فإن ذلك يطرح نقاشاً حول أي مرفق عام نريد؟ هل المطلوب تسيير المرفق العام بأي كلفة؟ وما الضرر الذي ينتج من خفض الإنفاق في هذا المرفق؟ وهل يمكن إيجاد خطة لتأمين الكهرباء بأقل كلفة ممكنة؟
ثم لتقدير ضخامة الرقم المطلوب لثلاثة أشهر، تكفي الإشارة إلى أن كلفة المخطط التوجيهي لنقل الكهرباء حتى عام 2025 تساوي 555 مليار ليرة فقط (ينقل قطاع الطاقة إلى مستوى أفضل من الخدمات ويضع حداً للاختناقات على الشبكة)، وتكلفة إنشاء معمل دير عمار كانت مقدرة بـــ657 مليار ليرة (يضيف أربع ساعات من التغذية يومياً، على الأقل). هل يعني ذلك أن ثمة أولويات عديدة تسبق زيادة السلفة التي حصلت عليها كهرباء لبنان؟ الإجابة لا تبدو واضحة، ففي مقابل هذه الأولويات، قد ينتج من قرار عدم زيادة السلفة ضرر مباشر على السكان، خاصة أن مصادر المؤسسة تؤكد أنها ستكون مضطرة إلى زيادة التقنين لخفض استهلاك الفيول والاكتفاء بما هو موجود لديها منه، وهذا يعني عملياً نقل العبء من الموازنة العامة إلى المواطنين مباشرة، من خلال زيادة فاتورة المولدات عليهم.