أقر مجلس النواب فتح اعتماد بقيمة 100 مليار ليرة لمصلحة المؤسسة العامة للإسكان لدعم القروض السكنية «لذوي الدخل المحدود» لمدة سنة. إقرار القانون أخذ حيزاً واسعاً من النقاش وسط محاولة بعض «نواب أصحاب العمل» إسقاطه باعتباره «سلسلة رتب ورواتب» جديدة!

«للمرّة الأولى تتدخل الدولة (مجلس النواب) في دعم القروض السكنية بعدما كان الأمر منوطاً لفترة طويلة بمصرف لبنان الذي أعطى الدعم بآليات عدة من دون ترشيد بما يصبّ في مصلحة ذوي الدخل المحدود». هذا ما قاله وزير المال علي حسن خليل لـ«الأخبار»، منتقداً آليات الدعم السابقة التي كانت تتم عبر مصرف لبنان ضمن آلية خفض الاحتياط الإلزامي للمصارف مقابل القروض التي تمنحها للزبائن، أو وفق آلية منح المصارف قروضاً من «المركزي» بفائدة 1% مقابل القروض الممنوحة. غياب ضوابط الدعم السابق أتاح استفادة غير ذوي الدخل المحدود. إذ كان هناك، بحسب خليل، «خلط غير مبرر بين السياسة النقدية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية».
اقتراح خليل الذي تحوّل إلى قانون أمس يتضمّن فتح اعتماد بقيمة 100 مليار ليرة لمصلحة المؤسسة العامة للإسكان لتغطية فرق الفوائد بين كلفة التمويل وكلفة القرض لذوي الدخل المحدود. أما الاقتراحات الأخرى فكانت آلياتها مختلفة. إذ تضمّن اقتراح كتلة المستقبل، مثلاً، منح المصارف إعفاء ضريبياً مقابل منح الزبائن قروضاً مدعومة، ما اعتبره خليل في مداخلته «مخالفاً للدستور».
الاعتراض على اقتراح خليل جاء من النواب من فئة أصحاب العمل مثل نعمت افرام ونزيه نجم وميشال ضاهر. إذ حاولوا إسقاط الاقتراح، وفكرة الوزير محمد فنيش بأن يمتد الدعم لخمس سنوات. واعتبروا أن تقديم الدعم يفتح أبواباً كبيرة في الإنفاق ويعيد إنتاج سلسلة الرتب والرواتب، ما قد يحمّل الخزينة أعباء لا طاقة لها بها. وثمة نواب آخرون سلّموا بجدوى الدعم، لكنهم سعوا لاستيضاح مسألة الاستدامة فيه. فالمبلغ المخصص للدعم لن يكون قادراً على تحمّل كلفة القروض لفترة زمنية طويلة، فيما ليس هناك ما هو واضح في القانون لتغطية الدعم كل هذه الفترة فضلاً عن ضبابية كلفته الفعلية.
بحسب خليل، الدولة تتخلى عن مسؤولياتها الاجتماعية عندما توافق على تخصيص 220 مليار ليرة لدعم القروض التجارية (للقطاع الخاص) من دون أن يناقش الأمر لجهة هوية المستفيدين ومساهمتهم في الاقتصاد ومساهمة هذا النوع من القروض في دعم الاقتصاد، فيما ترفض أن يكون الدعم اجتماعياً ومخصصاً للفئات التي تحتاجه وفق ضوابط واضحة. ورأى أن تخصيص الدعم عبر المؤسسة يصيب الفئات المهمشة مباشرة كون القروض التي توافق على منحها هي للمسكن الأول وضمن سقف محدد (270 مليون ليرة). ولفت إلى أن هذا الدعم سيكون مفيداً للخزينة. ففي الأشهر الماضية تبيّن أن الرسوم الجمركية على السلع المتصلة بقطاع العقارات انخفضت بنحو 100 مليار ليرة، علماً أن هذا الدعم سيغذي أكثر من 33 قطاعاً فرعياً متصلاً بقطاع العقارات، يفيد تحريكها الاقتصاد والخزينة أيضاً.
هذا لا يعني أن تجار العقارات لم تنفرج أساريرهم أمس. إذ أن الركود أصاب تجارة بيع الشقق، لا سيما الصغيرة. وشهدت السوق العقارية حالة من الجمود دفع الأسعار إلى الانحدار بأكثر من 40% في بعض المناطق. رغم ذلك، لا يزال بعض هؤلاء من ذوي القدرات التمويلية يمتنعون عن خفض الأسعار بما يتناسب مع مستويات الدخل، علماً أنهم حققوا أرباحاً طائلة في السنوات الماضية من تجارة العقارات والفلتان الذي أصاب السوق بسبب سخاء التمويل المدعوم من مصرف لبنان، فضلاً عن السياسات التي تشجّع على المضاربة. ويتوقع أن يؤدي القانون إلى انتعاش السوق، ولو بصورة جزئية، ما قد يشجّع التجار على التمسّك بعدم خفض الأسعار.
تباين وجهات النظر دفع الكتل النيابية إلى اتفاق على أن يكون الدعم لمدة سنة واحدة تكون خلالها تألفت حكومة لتناقش السياسة الإسكانية بكل تفاصيلها، على أن توضع دراسة اكتوارية لهذا النظام لمعرفة المدى المالي المناسب له وكمية القروض التي ستكون مدعومة.
وكان رئيس مجلس الإدارة، المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان، روني لحود، وجه رسالة إلى النواب عبر هواتفهم الخلوية قبل انعقاد الجلسة تحت عنوان «تشريع الضرورة»، مشيراً إلى أنه لا ضرورة تفوق الاهتمام بما يعني الشباب اللبناني وتوفير المسكن اللائق لذوي الدخل المحدود والمتوسط وهو أمر لا يتم إلا من خلال المؤسسة العامة للإسكان.
وبحسب التوقعات، فإن مبلغ الدعم المخصص للقروض الإسكانية عبر الخزينة سيغطي بين 4000 و4500 قرض سكني لا يتجاوز سقف الواحد منها 180 ألف دولار. وستكون هناك اجتماعات ولقاءات بين لحود والمصارف في الأيام المقبلة للاتفاق على نسب الدعم لكل قرض، خصوصاً أن أسعار الفوائد اليوم مرتفعة وغير ثابتة، ما يتطلب التوصل إلى معادلة واضحة يحتسب على أساسها القرض وكلفته.