نيويورك | انقسم خطاب رئيس الجمهورية ميشال عون أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، في ثانية مشاركة له من على منبرها، إلى شقين: أول خاض في المشاكل الدولية بتشعباتها معرّجاً على سلاح الفيتو في مجلس الأمن داعياً إلى إصلاح نظامه وتوسيع نطاق التمثيل فيه، وثان إقليمي لبناني تناول مشكلات المنطقة من ضمنها تداعياتها على لبنان كالقضية الفلسطينية والإرهاب والنزوح السوري التي تلقي بثقلها. رفع خريطة انتشار النزوح مبينة تطور أعداد النازحين المسجلين من 25 ألفاً عام 2012 إلى أكثر من مليون عام 2014، كي يصبح الآن مليوناً ونصف مليون. وكرر ما أورده في خطابه أمام الأمم المتحدة في أيلول الفائت عن «حق العودة الكريمة والآمنة والمستدامة للنازحين إلى أرضهم، ورفض ربط هذا الملف بحل سياسي غير معلوم متى سيأتي».

في مستهل كلمته قال عون أن الأمم المتحدة «وفقاً لمقاصدها والأسس التي قامت عليها، يجب أن تكون الضمير العالمي الذي يحفظ التوازن ويمنع الاعتداء ويحقق العدالة ويحمي السلام. بينما، نجد أنه في مفاصل عدة تعذّر على مجلس الأمن إقرار قرارات محقة، وأحياناً مصيرية لشعب ما بسبب حق النقض، أو أن بعض الدول تتمنع عن تنفيذ قرارات لا تناسبها». وأعطى أمثلة على هذا التمييز من بينها قرار مجلس الأمن رقم 425 الذي لم ينفذ طوال 22 عاماً «إلا تحت ضغط مقاومة الشعب اللبناني لحمل إسرائيل على الانسحاب» من جنوب لبنان. كذلك ذكر القرار 194، الصادر عام 1948 و«يدعو إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم في أقرب وقت ممكن، بقي حبراً على ورق طوال 70 عاماً»، معتبراً أن «حق النقض أثر سلباً على الكثير من الدول والشعوب وخصوصاً في منطقتنا، وحجب عنها حقوقاً بديهية».
ودعا الأمم المتحدة إلى أن تكون «قيادة عالمية، ذات أهمية لجميع الناس، ولا بد من مشروع إصلاحي يلحظ توسيع مجلس الأمن ورفع عدد الدول الأعضاء واعتماد نظام أكثر شفافية وديموقراطية وتوازناً (...)». وتحدث عن اهتمام لبنان بحقوق الإنسان وتمكين المرأة من المشاركة في اتخاذ القرارات والتفاوض والتصدي للنزاعات.
في الشق اللبناني قال: «نحن في لبنان نتلمّس طريقنا إلى النهوض من الأزمات المتلاحقة التي عصفت بنا على مختلف الصعد. تمكّن لبنان من تثبيت أمنه واستقراره بعدما قضى على تجمعات الإرهابيين في الجرود الشرقية والشمالية وفكك خلاياهم النائمة، وسياسياً أجرى انتخاباته النيابية وفق قانون يعتمد النسبية للمرة الأولى في تاريخه ما أنتج تمثيلاً أكثر عدالة لجميع مكونات المجتمع اللبناني وهو اليوم على طريق تشكيل حكومة تبعاً لنتائج هذه الانتخابات، واقتصادياً وُضعت الخطوط العريضة لخطة اقتصادية لتحقيق النهوض تأخذ في الاعتبار مقرّرات مؤتمر سيدر».
ثم تطرق إلى تداعيات الحرب السورية على لبنان «أمنياً بارتفاع معدل الجريمة بنسبة تخطت 30%، واقتصادياً بارتفاع معدل البطالة إلى 21%، وديموغرافياً بارتفاع الكثافة السكانية من 400 إلى 600 في الكيلومتر المربع الواحد».

مقاومة الشعب اللبناني طبقت القرار 425


وأضاف: «قلت بالعودة الآمنة في كلمتي من على هذا المنبر في العام الماضي، وميّزت بينها وبين العودة الطوعية. السوريون الذين نزحوا إلى لبنان ليسوا بلاجئين سياسيين، باستثناء قلة منهم. معظمهم نزح بسبب الأوضاع الأمنية في بلادهم أو لدوافع اقتصادية وهؤلاء هم الأكثرية».
وأبرز أمام الحاضرين خريطة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون النازحين تبين تطور أعداد النازحين المسجلين من 25 ألفاً عام 2012 إلى أكثر من مليون عام 2014. وقال: «أشير هنا إلى أن الأمم المتحدة توقفت عام 2014 عن إحصاء النازحين، وبعد ذلك التاريخ تابع الأمن العام اللبناني الإحصاءات التي دلت على أن الأعداد قد تجاوزت منذ ذلك الحين وحتى اليوم المليون ونصف المليون نازح. عليه، أعيد تأكيد موقف بلادي الساعي إلى تثبيت حق العودة الكريمة والآمنة والمستدامة للنازحين إلى أرضهم، والرافض كل مماطلة أو مقايضة في هذا الملف الكياني، أو ربطه بحل سياسي غير معلوم متى سيأتي، والرافض قطعاً أي مشروع توطين سواء لنازح أو لاجئ. في هذا السياق نسجل ترحيبنا بأي مبادرة تسعى إلى حل مسألة النزوح على غرار المبادرة الروسية».
وتناول القضية الفلسطينية «التي هي خير تجسيد لانعدام العدالة في معالجتها ما أشعل حروباً كثيرة في الشرق الأوسط، وأوجد مقاومة لن تنتهي إلا بانتفاء الظلم وإحقاق الحق». وأضاف: «كي يكتمل المشهد، أتى قرار حجب المساعدات عن مؤسسة الأونروا. فهل انتهت معاناتهم لينتهي دور الأونروا أم أن الهدف من تعطيل دورها هو التمهيد لإسقاط صفة اللاجئ، ودمجه في الدول المضيفة لمحو الهوية الفلسطينية وفرض التوطين؟».
وختم: «لقد أطلقت من على هذا المنبر العام الماضي مبادرة جعل لبنان مركزاً دولياً لحوار الأديان والثقافات والأعراق، ونطمح إلى أن تتجسد هذه المبادرة اليوم باتفاق متعدد الطرف لإنشاء أكاديمية فيه، تكون مشروعاً دولياً للتلاقي والحوار الدائم وتعزيز روح التعايش، بما يتماشى مع أهداف الأمم المتحدة وسلوك الديبلوماسية الوقائية لتفادي النزاعات».