أدى خلافٌ شخصي بين ضابطين إلى شلّ مطار بيروت الدولي. تهديد واستنفار وتلاسن كاد يتحوّل إلى اشتباكٍ بالأيدي، وربما بالسلاح! أن يُهدِّد ضابطٌ في قوى الأمن ضابطاً في الجيش بتوقيف عناصره إذا ما ضُبطوا يُصوّرون عسكره. أن يلجأ الأخير أصلاً إلى تصوير عسكريين وضباط ويبادر بعدها إلى احتلال مراكزهم! أن يصل الأمر إلى حد أن يعتدي أحدهما بالضرب على الآخر وتُترك الأمور على حالها! كما إدارياً، كذلك أمنياً: لا شيء يسير على ما يُرام في المطار، سوى الفضيحة.

انقلابٌ في مطار بيروت. اشتباكٌ على الصلاحيات بين الجيش وقوى الأمن أمام أعين المسافرين. احتجازٌ وتأخير وشلل أدى إلى طرد الجميع. أخبارٌ وتسريبات تزعم احتلال عناصر الجيش مراكز قوى الأمن داخل حرم المطار. تسريباتٌ مقابلة تتحدث عن قيام عناصر قوى الأمن بإطفاء أجهزة التفتيش قصداً. معلومات متضاربة بين رصد شخص مشبوه وأخرى تتحدث عن تصوير عناصر الاستقصاء لزملائهم العاملين في سرية درك المطار. كل ذلك أدى إلى شلّ مطار بيروت الدولي لنحو ساعة، وتحميل المسافرين عبء خلاف بين ضابطين أقل ما يُقال فيهما إنهما عديما المسؤولية. حفلة جنون انتهت بقدوم وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق الذي أعلن أنّ ما جرى لن يتكرر واعتذر من المواطنين عن التأخير الذي حصل. وساطة حل المشكلة بين ضابطين خاضتها رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية وقيادة الجيش.
الحال في المطار ليست على ما يُرام. كثُرت في الآونة الأخيرة الخروقات التي كانت تجري ويُصار إلى لفلفتها «حرصاً على سمعة المطار أمام الأجانب»! مِن هرب طفل ودخوله إلى متن طائرة ثم محاولة آخر الفرار، تلاها تعطّل نظام تسجيل المسافرين، وأخيراً جنونٌ أصاب عسكر قوى الأمن والجيش ضربوا معه بعرض الحائط كل القوانين والمسؤوليات. ماذا يعني أن يُقرر بضعة ضباط وعناصر توقيف مطار الدولة؟ ببساطة، يستند هؤلاء إلى كونهم محميين من زعمائهم السياسيين ومسؤوليهم الإداريين لدرجة أنّهم قادرون على تعطيل المطار من أجل خلافات تافهة.
ما جرى ويجري في مطار بيروت فضيحة على كل المستويات. يتكشّف أنّ بنية جهاز الأمن في المطار مهترئة تشبه إلى حد التطابق النظام اللبناني. جهاز الأمن التابع لوزير الداخلية يضم ضباطاً ورتباء من الجيش والأمن الداخلي، وتتبع له، إدارياً، كل القطعات الأمنية في المطار، مع مراعاة تطبيق القوانين والصلاحيات وطبيعة عمل الخاصة بكل جهاز (على سبيل المثال، لا يجوز لرئيس جهاز أمن المطار تعديل آليات تسجيل الدخول والخروج المنوطة بالأمن العام). لكن عملياً، لا يُحترم التسلسل الإداري. فرئيس جهاز أمن المطار يتبع لوزير الداخلية، لكنّه بصفته ضابطاً في الجيش، يعتبر أن مرجعيته قيادة الجيش. حتى أنّه يوم أمس رفض إعادة الامور إلى ما كانت عليه قبل الخلاف ــــ الفضيحة، إلا بعد تلقيه أمراً من قيادة الجيش. كذلك الأمر مع قائد سرية المطار الذي يتبع إدارياً لقائد جهاز أمن المطار ويتلقّى أوامره منه. غير أنّه يرفض التنسيق مع رئيسه، مطالباً بمخاطبته عبر المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. ليس هذا فحسب، ذهب قائد سرية درك المطار إلى التهديد باعتقال عناصر وضباط تابعين للاستقصاء في جهاز امن المطار، بموجب مذكرة إدارية وجهها شخصياً إلى قائد الجهاز.
جهاز امن المطار اسم بلا مسمّى. هو أقرب ما يكون إلى تجمّع سياسي ــــ ملّي للأجهزة اللبنانية. قبل نحو عام، وصل الخلاف بين رئيس الجهاز العميد جورج ضومط وقائد سرية درك المطار العقيد بلال الحجّار إلى حد اعتداء الأول بالضرب على الثاني. بعض الضباط يقول إنّ الأمر اقتصر على تدافع بالأيدي بين الضابطين! كذلك بعث ضومط برسالة إلى وزير الداخلية نهاد المشنوق يشكو فيها أن الحجار لا يؤدي له التحية العسكرية. ويقول مقربون من ضومط إنه يطلب، منذ 6 أشهر، مقابلة وزير الداخلية، وأن الأخير لم يحدد له موعداً! غير أن مصادر مقابلة نفت ذلك، مؤكدة حصول أكثر من لقاء. كل ذلك يحصل من محاسبة أحد. ما جرى يوم أمس ختام لمسيرة من الصدام المتواصل منذ أكثر من عام. بداية تشرين الأول الماضي اشتعلت النار بين ضومط والحجّار على خلفية احتجاج الأخير على منح الأول عدداً من المدنيين تراخيص استثنائية للدخول إلى «المنطقة المحرّمة» (ما بعد التفتيش الاولي). وما يحصل اليوم هو تراكم «القلوب المليانة» بين الضابطين اللذي يمثلان مهزلة الدولة اللبنانية الكبرى. فالدولة ضعيفة لدرجة أنها ليست قادرة على أن تفرض على ضابطين، رئيس ومرؤوس، أن يتعاونا، او ان تستبدلهما، ببساطة. ضومط يُحسب على رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر والحجّار يُحسب على رئيس الحكومة وتيار المستقبل. والطامة الكبرى أن الحل يفترض استبدال الرجلين. إذ إنّ الإطاحة بضابط من دون الآخر تعني كسر الطرف المقابل. وبحسب المعلومات، قضت التسوية السابقة، بداية العام الجاري، بأن يُستبدل الضابطان، لكن لم يتحقق ذلك لأسباب لا تزال مجهولة!
الأخطر من كل ما سبق أنّ رؤساء أجهزة أمنية يتهمون رؤوساً أمنية في المطار بالتورط في صفقات تهريب الكوكايين والهواتف الخلوية وتقاضي الرشى، لكن أحداً لم يُحرّك ساكناً. كل جهازٍ يحكم امبراطوريته بقوّة ساعده رغماً عن الآخر، ويعزز ذلك توازن القوى وتقاسم الحصص غالباً.
فضيحة أمس بدأت بعد انتشار عناصر من الجيش (تابعين لاستقصاء امن المطار) في نقاط ومراكز التفتيش الأولي التي يتولاها عناصر الدرك (التابعون أيضاً لأمن المطار) عند نقاط مغادرة المسافرين. نتج عن ذلك توقف عناصر قوى الأمن الداخلي عن تفتيش الركاب المغادرين. وروت مصادر أمنية لـ«الأخبار» أن عناصر الجيش عمدوا الى تصوير أحد عناصر قوى الأمن، رغم وجود كاميرات مراقبة، الأمر الذي استفزّ أحد ضباط قوى الامن فتلاسن مع دورية الجيش. عندها عمد عناصر الجيش الى ابعاد عناصر قوى الامن بالقوة والحلول مكانهم. ولكون عناصر الجيش، بحسب المصادر الأمنية، لا دراية لهم بتشغيل أجهزة التفتيش، تسبب ذلك بتوقف التفتيشات واحتجاز المواطنين لنحو ساعة حتى تدخّل وساطات لإنهاء القضية بانسحاب عناصر الجيش. في المقابل، تحضر رواية مقابلة على لسان مصدر عسكري يؤكد أنّ استنفار عناصر الجيش كان بناء على ورود معلومة أمنية تفيد بمحاولة شخص مشبوه دخول المطار، فانتشر عناصر الاستقصاء احترازياً. وبحسب المصدر العسكري، استفز وجود عناصر الجيش عناصر قوى الامن الذين قرروا وقف التفتيشات، مانعين الناس من الدخول، ما اضطر رجال الجيش إلى محاولة تشغيل ماكينات التفتيش، فضلاً عن توليهم التدقيق في جوازات السفر.

يتهم رؤساء أجهزة أمنية مسؤولين في المطار بالتورط في تهريب الكوكايين والهواتف الخلوية وتقاضي الرشى


وسبق الخلاف كتاب مُرسل من الحجار إلى ضومط، يتهم فيه عناصر من جهاز أمن المطار بتصوير عناصر سرية الدرك «أثناء قيامهم بخدمتهم». كذلك، اتهمهم بـ«تسريب فيديوهات لوسائل الإعلام مؤخراً لعناصرنا أثناء قيامهم بواجباتهم»، مشيراً إلى أن هذه الفيديوهات «تكون أحياناً مجتزأة ولا يعرف مصدرها». وهدّد الحجّار بأنه «في حال ضُبط أي عنصر يقوم بتصوير عناصرنا فسنقوم بتوقيفه ومخابرة النيابة العامة العسكرية لمعرفة سبب قيامه بالتصوير وإجراء المقتضى القانوني بحقه».
ما جرى أمس كان في عنوانه العام تعارض في الصلاحيات بين رئيس جهاز أمن المطار ومرؤوسه قائد سرية الدرك، ما تسبب بتعطّل حركة المسافرين. غير أنّ الواقع يكشف دولة مهترئة عاجزة عن إدارة جهاز تفتيش. كيف ستنتهي هذه المهزلة؟ لا أحد يضمن عدم اختتامها على الطريقة اللبنانية المعروفة: ثمة خطأ، لكن أحداً لم يرتكبه.