الخبراء الأوروبيون الأربعة، الذين استضافتهم وزارة التنمية الادارية في ندوة نظّمتها الأمانة العامة لمجلس النواب الأسبوع الماضي، لم يضيفوا شيئاً جديداً حول قانون ادارة النفايات. الجديد، كموقف، جاء على لسان الوزيرة عناية عز الدين التي تبنّت المطالب التاريخية لكيفية معالجة قضية النفايات عبر تأكيدها أن الاستراتيجية تأتي أولاً. كما وضعت ملاحظات على قانون النفايات الذي أقرّه مجلس النواب الاثنين الماضي، وتمنّت لو تم إرجاء إقراره لحين الاستماع الى بعض الملاحظات الجوهرية حوله، إذ كان يفترض أن يحدد المعايير وكيفية تقسيم المسؤوليات، لا أن يكتفي بالانحياز لخيار المحارق، مؤكدة أن الباب لم يغلق على البحث في تعديلات على القانون.

أهم الخلاصات والتوصيات التي وردت في مداخلات الخبراء الأوروبيين ركزت، أيضاً، على ضرورة توفر الرؤية (الاستراتيجية) أولاً، والاعتماد على مبادئ التنمية المستدامة والاقتصاد الدائري، اضافة الى اعتماد التسلسل الهرمي في المعالجة مع التركيز على مسؤولية المنتج. على أن يسبق ذلك تحديد النوعية والكمية وكيفية اختيار التكنولوجيا الملائمة في المعالجة والجدوى الاقتصادية، وحسن اختيار المواقع للمعالجة، مع التشديد على ما سمّاه هؤلاء «قبول العامة»، الذين عليهم أن يعرفوا المخاطر الحقيقية والكلفة الحقيقية، وان يوافقوا على الخيارات. وهذا المبدأ الأخير، هو الذي تتم التضحية به عادة في لبنان، بحجة الظروف الطارئة (في العلن)، بينما تكون هذه التضحية في الواقع لمصلحة صاحب التقنية والمستثمر والمشغّل والسمسار. الا أن «العامة» هذه المرة، لا سيما سكان المناطق المختارة لمواقع معامل التفكك الحراري الذين ستقع عليهم «لعنة المحارق»، سيكونون رأس الحربة في مواجهة الخيارات الخاطئة، وعليهم الرهان في اعادة هرم معالجة النفايات الى قواعده.
من الأسئلة التي لم تجد مكاناً لها في النقاش في ندوة مجلس النواب، ولم يجب عنها قانون النفايات (كان يفترض أن تجيب عنها الاستراتيجية) الذي افتخر بعض معديه بأنه كرس اللامركزية في الحل: لمصلحة من هذه اللامركزية؟ البلديات ام اصحاب التكنولوجيا والمستثمرين في هذا القطاع؟ وهل تلبي حاجة المجتمعات وحل مشكلاتها ام أنها مجرد خلق لفرص استثمارية جديدة؟
لكل بلد خصوصياته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والقيمية، ونقل التكنولوجيا من بلد الى آخر ليس بالبساطة التي يتحدث عنها سماسرة هذه التقنيات والتجار المروّجون للبضائع التي تتحول الى نفايات، ولو كانوا رؤساء بلديات منتخبين. وبلد نام ومدين وملوث جدا مثل لبنان، يحتاج الى سياسات وقائية احترازية أكثر من حاجته الى سياسات استثمارية. وتطبيق مبدأ التخفيف او التجنب هو الأساس للبناء عليه في قانون النفايات وترجمته في سياسات ضرائبية عادلة. يضاف اليه تطبيق مبدأ الاسترداد، غير الوارد في القانون الذي اقر، والذي يعني إلزام التجار ووكلاء الشركات بردّ المنتجات، لاسيما المستوردة والخطرة منها، بعد أن تتحول الى نفايات، الى بلد المنشأ والى المصنّع نفسه، ضمن آلية استرداد واضحة وشفافة ومقننة. وهذه إجراءات كفيلة بتخفيف نفاياتنا الى النصف من دون الحاجة لاي تقنية، لا طمراً ولا حرقاً. مع التأكيد أن اي تكنولوجيا، مهما كانت متقدمة، لا تعالج التلوث، بل تحوّله الى نوع آخر من الملوثات. وتجنّب هذه الدوامة العبثية من التلوث، كلما كان متاحاً، يفترض أن تكون له الأولوية على اي تكنولوجيا، وان يتم ترجمة هذه المبادئ في اي قانون للإدارة السليمة والمسؤولة والمستدامة للمشكلة.