خسارة الشخصيات «المُستقلة» (غير الحزبية) المُمثلة لطائفة الروم الكاثوليك في الانتخابات النيابية، وتحديداً ميشال فرعون في الأشرفية وميريام سكاف في زحلة، سهّل على القوات اللبنانية، مُمثلة بالنائب جورج عقيص والوزير ملحم رياشي، طرح التعديلات على النظام الداخلي للمجلس الأعلى للروم الكاثوليك، بما يؤدّي إلى تحويله إلى ما يُشبه المجلس الاستشاري إلى جانب البطريركية. المُتضرّر الأول من المشروع هو فرعون، الذي يحتفظ من خلال موقعه كنائبٍ لرئيس «المجلس الأعلى» (رئيسه البطريرك يوسف العبسي)، بآخر حصنٍ يستمد منه نفوذه السياسي والشعبي. انطلاقاً من هنا، تُفهم «حساسية» فرعون تجاه طرح التعديلات على النظام الداخلي، «واتهامه لرياشي بمحاولة إقصاء العائلات، لحساب تقوية الوجود الحزبي»، بحسب المصادر، التي تُسارع إلى التوضيح بأنّ وزير الدولة في حكومة تصريف الأعمال «اقتنع أخيراً، لأنّ الروحية غير عدائية، ولأنّ التعديلات لن تُصبح نافذة قبل انتهاء ولاية فرعون في المجلس، وأخيراً لأنّ الرجل لم يعد يحقّ له الترشح لمنصبه الحالي في المجلس كونه خسر مركزه النيابي».

اتهم فرعون رياشي بأنّه يحاول «إقصاء العائلات»(هيثم الموسوي)

يوم الاثنين، عقد المجلس الأعلى اجتماعه الدوري، في مقرّ البطريركية في الربوة، تناول عمل كلّ اللجان، ومن ضمنها اللجنة القانونية برئاسة إبراهيم طرابلسي. فعُرضت ورقة التعديلات المُقترحة على النظامين التأسيسي والداخلي للمجلس الأعلى، المُقدمة من جورج عقيص وملحم رياشي، ودار نقاشٌ حولها.
الغاية من تعديل النظام الداخلي، كما جاء في «الورقة» التي حصلت «الأخبار» على نسخة منها، إبعاد النزاعات السياسية والحزبية عن المجلس، إدخال طاقات جديدة على تركيبة المجلس، مواكبة المجلس للتحديات الاقتصادية والمعيشية التي تعترض الوطن عموماً وأبناء الطائفة خصوصاً. لذلك، شملت التعديلات قسمين، الهيئة التنفيذية والهيئة العامة. بالنسبة إلى الهيئة العامة، يُطرح أن تتألف «من كل أعضاء النقابات الحاليين والنقباء الحاليين والسابقين لكلّ المهن الحرّة المعترف بها في لبنان، أو المنظّمة بقوانين مهنيّة، ومن أي شخصيات قدّمت للطائفة وللوطن خدمةً هامة، على أن تبت الهيئة التنفيذية بقبول انتسابها بناء على اقتراح أي عضو من أعضائها». ويطلب التعديل «إلغاء التعيينات التي يجريها صاحب الغبطة أو أصحاب السيادة، وتفعيل عمل اللجان المتخصصة».
أما في ما خصّ الهيئة التنفيذية، فالأساس فيها هو «إلغاء منصب نائب الرئيس العلماني، إلغاء منصب الأمين العام والاستعاضة عنه بأمانة سرّ تُحدّّد مهامها بدقّة، إلغاء التعيينات التي يجريها صاحب الغبطة وأصحاب السيادة، وتشكيلها فقط بالانتخاب من أعضاء الهيئة العامة، يتمّ انتخاب الهيئة التنفيذية لولاية واحدة ولا يقبل الترشح مرّة ثانية إلا بعد انقضاء ولاية كاملة تفصل بين الولايتين، إلغاء العضوية الحكمية في الهيئة التنفيذية للنواب والوزراء الحاليين والسابقين، وإنشاء مجلس أمناء يضمّهم ويرأسه غبطة البطريرك، يجتمع مرّة كل ثلاثة أشهر لمناقشة المسائل السياسية التي تهمّ الوطن والطائفة».
الغاية الأولى لورقة رياشي - عقيص، هو فصل السياسة عن عمل المجلس الأعلى. ولكن ما يظهر من خلال التعديلات، أنّهما ينقلانها إلى مجلس الأمناء. فما الهدف إذاً من إنشاء الأخير؟ توضح المصادر أنّه «نُدرك أنّ السياسة موجودة في كلّ مكان، ولكن نريد أن نلغي النزاعات السياسية داخل المجلس الأعلى بين الوزراء والنواب، الذين يستغلونه لتعزيز نفوذه والبحث عن مواقع». لذلك المطلوب هو «أن يضمّ المجلس الأعلى العلمانيين في الطائفة، برعاية الإكليروس، للتركيز على المشاريع الإنمائية والاجتماعية التي تهمّ المجتمع». في حين أنّ مجلس الأمناء «يجمع السياسيين، من دون أن يكون هناك ولاية أو انتخابات، مهمتهم في ظلّ هذا النظام الطائفي البدائي، المُطالبة بالحقوق السياسية للكاثوليك، بحسب العناوين العريضة من دون الغرق في تفاصيل الأسماء والمحسوبيات».
موقف التيار الوطني الحرّ «إيجابي» من الورقة التي قدّمها عقيص ورياشي. يقول النائب نقولا الصحناوي إنّ التيار «بالمبدأ، موافق عليها، فهي أصلاً غير مُسيسة، ولم تُقدّم كمقاربة حزبية»، مُضيفاً بأنّها «مسودة غير سيئة».
ولكن خلال الاجتماع، تلهّى المجتمعون بنقاش حول الإجراءات التي ستُعتمد لتطبيق التعديلات، عوض الحديث عن التعديلات نفسها. فتقرّر تأجيل البحث بالموضوع إلى جلسة ثانية، وتحويل كلّ الاقتراحات إلى لجنةٍ تشكلت من إبراهيم طرابلسي (رئيساً) وعضوية كلّ من عقيص والوزير سليم جريصاتي وفرعون، «مع إمكانية أن ينضم إليها آخرون».
موقف التيار الوطني الحرّ «إيجابي» من المسودة التي طرحها عقيص ورياشي


ليست المرّة الأولى التي يُحاول فيها المجلس الأعلى للروم الكاثوليك تعديل نظامه، «بدأت القصة قبل 14 عاماً، من دون أن يتحقّق الهدف». طوال تلك السنوات، كانت تُقدّم إلى اللجنة القانونية اقتراحات للتعديلات، «نُبشت هذه المرّة، وضُمت إلى الاقتراحات الجديدة المُقدمة». أصبح أمام اللجنة القانونية «خمسة اقتراحات، ولا يزال أمامها 15 يوماً لاستقبال اقتراحات إضافية».
الوزير السابق سليم وردة هو أحد الذين تقدموا بورقة تعديلات للنظام الداخلي. يقول في اتصال مع «الأخبار» إنّه تقدّم باقتراحه «مُباشرةً إلى اللجنة القانونية، لذلك لم تتم مناقشته خلال اجتماع الاثنين». لا يوافق وردة بالكامل على إبعاد «السياسة» عن المجلس الأعلى، ولو أنّه يعتبره «اقتراحاً قابلاً للنقاش». ولكن بالنسبة إليه، «أهمية المجلس الأعلى، أنّه يجمع على الطاولة نفسها كلّ الإكليروس والعلمانيين، حرام أن تُلغى هذه الميزة». وفي كلّ الأحوال، يعتبر وردة أنّ «ورشة العمل ستكون طويلة. لا يزال هناك 15 يوماً من أجل تقديم الاقتراحات، بعدها شهر من أجل جمع كلّ الأوراق وضمها في مسودة واحدة، وثمّ تُنظّم خلوة لمناقشتها».
حتى ولو كانت الإجراءات طويلة، ولكنّ مصادر في المجلس الأعلى تعتبر أنّ «التعديل أصبح مُلحاً، بسبب وجود طاقات شبابية كثيرة خارج المجلس».