أنهى «المجمع الأنطاكي المُقدّس»، الذي عُقد في البلمند بين 3 و6 تشرين الأول، أعماله ببيانٍ يرفض فيه «محاولات تغيير جغرافية الكنائس الأرثوذكسية». لم يُخيّب المطارنة والأساقفة، الذين اجتمعوا برئاسة بطريرك أنطاكيا للروم الأرثوذكس، يوحنا العاشر يازجي، التوقعات بأن يتخذ موقفاً حاسماً من الصراع المُستجد بين الكنيستين الشقيقتين، موسكو والقسطنطينية. وكان قد مُهّد لهذا الموقف، خلال اللقاء الثقافي السنوي السادس الذي نظّمه «اللقاء الأرثوذكسي» في 23 أيلول الماضي، وأُعلنت خلاله مواقف داعمة للدور الكنسي والسياسي الروسي في المنطقة بوجه محاولات التقسيم التي تقوم بها «القسطنطينية» - بدعم من الولايات المتحدة الأميركية - وأولها شق الكنيسة الأوكرانية عن الروسية. وللتأكيد على موقف «أنطاكية»، حرص المُجتمعون في المجمع على إيصال الرسالة إلى من يعنيهم الأمر في «الغرب»، من خلال توزيع خبرٍ عن الخلوة باللغة الإنكليزية، يحتوي حصراً على الموقف المُتعلّق بتطورات الكنيسة الأرثوذكسية، وعلى تحذير «من مخاطر زجّ العالم الأرثوذكسي في الصراعات السياسية العالمية».

اللغة التي استُخدمت في كتابة التوصيات، غير مألوفة في بيانات المجامع الأنطاكية السابقة. بيان يوم السبت، «صدر بإجماع رجال الدين» بحسب المصادر، وكان عالي النبرة، لجهة رفض «تكريس مبدأ قيام كنائس موازية ضمن الحدود القانونية للبطريركيات والكنائس المستقلة، كوسيلة لحلّ الخلافات أو كأمر واقع في العالم الأرثوذكسي (...) والتأكيد على ضرورة الاحتكام لمبدأ الإجماع في ما يختص بالعمل الأرثوذكسي المشترك والمسائل الخلافية في العالم الأرثوذكسي، وذلك كضمانة فعلية لوحدة الكنيسة الأرثوذكسية». جاء ذلك في سياق الردّ على قرار البطريرك برثلماوس (الكنيسة القسطنطينية)، منح الكنيسة الأوكرانية الاستقلال الكنسي عن بطريركية موسكو وعموم روسيا، وتعيين أسقفين مُعتمدين للقسطنطينية في أوكرانيا.

انزعجت البطريركية من استغلال سفير أوكرانيا لقداس للإعلان عن مواقف سياسية


تماهت «أنطاكية» مع الكنيسة الروسية، على رغم محاولات الضغط التي مورست عليها. ففي الأسبوع الذي سبق انعقاد «المجمع»، شارك سفير أوكرانيا لدى لبنان إيهور أوستاش، برفقة وفد من الجالية الأوكرانية، في القداس في دير سيدة البلمند، والتقى يازجي، طالباً منه من على المنبر «دعم منح صفة كنيسة مستقلة للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، لأنّ هذا يتوافق مع تطلعات الشعب الأوكراني». وبحسب معلومات «الأخبار»، فإنّ هذا التصرّف أثار انزعاج البطريركية الأنطاكية، التي لم ترغب باستغلال مُشاركة في القداس، للإعلان عن مواقف سياسية.
موقف «أنطاكية» الداعم للكنيسة الروسية بوجه شقيقتها القسطنطينية، لا يعني فكّ الوصال مع الأخيرة. فقد برز في البيان، الطلب من البطريرك برثلماوس «الدعوة إلى اجتماع عاجل لرؤساء الكنائس الأرثوذكسية المستقلة للتداول في التطورات التي يشهدها العالم الأرثوذكسي في شأن منح الاستقلال الذاتي لكنائس جديدة، والعمل على إيجاد حلول مشتركة لها قبل اتخاذ أي قرار نهائي في شأنها». تُعلّق مصادر مُطلعة على الشأن الأرثوذكسي، بالقول إنّها «مُحاولة أخيرة من أنطاكية لمنع الانشقاق»، مع إشارتها إلى عدم التعويل كثيراً على نوايا الكنيسة القسطنطينية، لأنّ «مطارنة وأساقفة القسطنطينية باتوا يتصرفون وكأنّ كنيستهم هي الأولى، عوض أن تكون المُتقدم بين متساويين. والسبب الثاني أنّها تُمثّل رأس حربة السياسة الأميركية ضدّ الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة».