تُعتبر القوات اللبنانية من «أشطر» القوى في توظيف قضية «الشهداء»، سياسياً. فحين تكون لها مصلحة في استذكار مراحل الحرب الأهلية، «ومعارك الإخوة»، تُسقط القوات كلّ حديث عن «مصالحة وإقفال صفحات الماضي». وحين يكون «الفريق الثاني» هو الذي يُريد استذكار الذين سقطوا بأسلحة الكتائب اللبنانية أو «القوات»، ترفع الأخيرة خطاب «عدم فتح الجروح»، مُشيطنةً كلّ كلام يُحكى في هذا السياق.

«الأخلاق» واحترام «تضحيات» المقاتلين الذين سقطوا، لا يقفان عائقاً أمام «القوات» في زجّهم في معاركها السياسية مع القوى الأخرى، تماماً كما حصل أمس في الفرزل (البقاع الأوسط) بين حزب معراب من جهة، ونائب «تكتل لبنان القوي» ميشال الضاهر. «مشكل ضيعة»، على حدّ وصف أحد أبناء المنطقة، تحوّل إلى موضوع قمع وحريات وتعدٍّ على كرامات الشهداء. لم تكن «القوات» لتحلم بأفضل من حدث كهذا، لتوظيفه في خلافها السياسي الحالي وأزمة تشكيل الحكومة، مع التيار الوطني الحرّ. ومن أجل تصوير نفسها «الفريق المُستضعف»، علّها تُحصّل بعضاً من تضامنٍ عاطفي.
القصة بين الضاهر و«القوات»، بدأت قبل قرابة الشهرين. تقول مصادر سياسية مُتابعة إنّ الضاهر هو أحد المُتبرعين من أجل إنشاء «نُصب شهداء المقاومة اللبنانية» في الفرزل. الاختلاف بينهما حصل على موقع التمثال، «فقطعة الأرض الخاصة التي أرادت القوات وضع التمثال عليها، مواجه للمنزل الذي يسكن فيه ابن الضاهر». عَرض عليهم الضاهر نقل التمثال إلى قطعة أرض ثانية، «مُجاورة للتمثال المُخصص لشهداء الحزب السوري القومي الاجتماعي». إلا أنّ القوات اللبنانية، على ذمّة المصادر، عارضت الموضوع «منعاً لأي حساسيات بينها وبين القوميين». في هذه الفترة، كانت البلدية قد أصدرت ترخيصاً لـ«القوات»، تسمح بموجبه وضع التمثال على قطعة الأرض المواجهة لمنزل الضاهر. ولكن، يقول رئيس بلدية الفرزل ملحم غسان إنّه أبلغ «جورج حنا (مُقاتل سابق في القوات، يُلقب ببو عمّار، مُقرّب حالياً من الضاهر) ومسؤول القوات في الفرزل يوسف سيدي، إنّ الموافقة على وضع التمثال مشروطة بعدم اعتراض أحد من الفرزل. إذا اعترض أحدهم، نوقف الترخيص». أكد حنا وسيدي لرئيس البلدية عدم ممانعة أحد من البلدة على النصب، «فقلت لهما اتكلا على الله». بعد قرابة الأسبوعين، «وصل اعتراض من أحد مالكي قطعة الأرض، بأنّه يرفض وضع النصب على أرضه، وكذلك من أهالي الجوار»، كما يُخبر رئيس البلدية «الأخبار». بناءً عليه، عرضت البلدية تقديم أي قطعة أرض أخرى، ولكنّ «القوات» رفضت ذلك. الساعة 12 بعد منتصف ليل السبت، غادر وفد من «القوات» منزل رئيس البلدية، «بعد أن اتفقنا على عقد اجتماع الأحد الساعة 11 قبل الظهر، بحضور النائبين سيزار المعلوف وجورج عقيص ومسؤول القوات في زحلة ميشال التنوري».
تقول مصادر سياسية في الفزرل إنّ «القوات» علمت بمُذكرة أُرسلت من البلدية إلى المُحافظة، الأسبوع الماضي، يُطلب فيها وقف أعمال وضع التمثال في قطعة الأرض التي اختارتها القوات اللبنانية. فاستبقت بدء العمل بالمُذكرة، «وجهّزت نُصباً، مُحاولةً إدخاله إلى الفرزل فجر السبت». تولّى سائق الشاحنة «إبلاغ رئيس البلدية بالأمر، وبدأت حرب الشائعات عن وجود مُسلح في الفرزل وإشكالات في الشارع، حتى قبل أن يحصل شيء». في إحدى الفيديوات، يظهر أحد الشبان يتوجه إلى الضاهر بأنّ ابن الأخير أطلق النار بالهواء، مكان تجمع القواتيين لوضع التمثال. وتُضيف المصادر على هذا الكلام، بأنّ «إطلاق النار أدّى إلى حضور عناصر الجيش إلى الفرزل، فقبضوا على ستة قواتيين، أُفرج عن خمسة فيما بقي يوسف سيدي مُعتقلاً بحجة التعدّي على دورية الجيش». أما ابن الضاهر، الذي يتهمه قواتيون بالفيديو بإطلاق النار، فلا يزال في منزله، «الأمر الذي أثار حنق القوات».

اعترض أحد مالكي الأرض، وأهالي الجوار على وضع نصب القوات التذكاري


بعد ظهر أمس، عقد الضاهر مؤتمراً في منزله، أكد فيه عدم الرغبة بالعودة إلى خلاف الـ1976، يوم سقط بداية الحرب الأهلية قتلى بين القوميين وحزب الكتائب. اعتبر أنّ القصة أصبحت «نكاية، وتكسير رأس ميشال الضاهر»، كاشفاً أنّه عرض «شراء قطعة أرض أخرى مع مواقف، وأنا أكون أول واحد يضع إكليلاً. فهؤلاء هم شهداء الفرزل كلها».
الردّ على مؤتمر الضاهر، أتى ببيان لعقيص والمعلوف اعتبرا فيه أنّ زميلهما مارس «الضغوط منعاً لإقامة النصب، فيما اقتراحه بنقله إلى مكان آخر يعكس بدقة حجم حقده، علماً أن المكان المخصص هو مكان خاص وتم ترخيصه وليس هو من يحدد أساساً مكان إقامة نصب الشهداء». البيان الذي زعم «إطلاق أكثر من ٦٠ طلقة من رشاش حربي مصدرها منزل نجل الضاهر، والاعتداء على معلوف»، جاء فيه أنّ القوات تُصرّ على «إقامة النصب في المكان المقرر له والذي حاز على موافقة البلدية». وقد دعا عقيص والمعلوف إلى الاعتصام اليوم أمام تمثال شهداء زحلة.
في المقابل، نشر جورج حنا (المُقاتل السابق في القوات، وأحد أصحاب فكرة التمثال) على «فايسبوك» منشوراً فيه: «مبروك للجرذان. والمقصود هو القسم من القوات الذين رفضوا وأفشلوا المفاوضات ولم يرضوا إلا بالتسبب بالإشكال. لقد نجحتم في إحباط المفاوضات والتسبب في أول إشكال في الفرزل».
لم تكد «تشتعل» أزمة التمثال في الفرزل، حتى سارعت «القوات» إلى توظيفها سياسياً، مُستغلة دماء شهدائها. بيانات لنواب ومسؤولين، حملة على وسائل التوصل الاجتماعي... كيف ستنتهي هذه المسألة؟ يردّ رئيس بلدية الفرزل: «بس يكون عند القوات في ناس تاخد وتعطي مع العالم، بتنحلّ».