يُلوّح عناصر ورتباء في قوى الأمن الداخلي بالاستقالة جراء قرار المدير العام بإحالة المئات منهم أمام المجلس التأديبي على خلفية تكرارهم «ذنب الإهمال» لأكثر من 20 مرة. والرقم هنا، 20، لا يُقال على سبيل المبالغة. قرار المدير العام نتج منه حرمان قرابة 1300 عنصر ورتيب من الإدراج على جداول الترقية. وعلمت «الأخبار» أنّ 531 عسكرياً شملهم قرار المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان بإبلاغهم إنذاراً بالإحالة أمام المجلس التأديبي عند ارتكابهم «ذنب الإهمال» خلال سنة من تاريخ تبلّغهم هذا الإنذار، «بسبب اعتيادهم سوء السلوك لتكرارهم ذنب الإهمال للمرة العشرين وما فوق خلال العشر سنوات الأخيرة». وذكرت مصادر أمنية لـ«الأخبار» أنّ القرار الذي اتّخذه عثمان ليس «بدعة» ابتدعها حديثاً، إنما تفعيل لمضمون «القانون 17»، الخاص بتنظيم قوى الأمن الداخلي الذي ينص على إحالة كل عسكري يُكرر الذنب نفسه، لأكثر من عشرين مرة، أمام المجلس التأديبي. أما الاستياء لدى العسكريين فيعود إلى أنّ هذا القرار يمنع عليهم التقدّم للحصول على الترقية التي يعتقدون أنها حقّ مكتسب تنتزعه منهم المديرية، علماً أنّها ليست حقّاً مكتسباً، إنما يعود إلى مجلس قيادة قوى الأمن تقدير ذلك في ضوء حاجات المديرية. وتقول المصادر إنّ «هذا القرار لم يكن الوحيد. فبالعودة إلى 22 تشرين الثاني من العام الماضي، فقد أُبلغ مئات العناصر بإنذار بحرمانهم من الترقية إذا تكرّر الذنب». وفي هذا السياق، يقول أحد أعضاء مجلس القيادة في قوى الأمن لـ«الأخبار»: «العسكري المهمل الذي يعاقب على الذنب نفسه عشرين مرّة لا يستحق أن يحصل على ترقية»، معتبراً أنّ «الخدمة العسكرية انضباط وتكرار الذنب نفسه مراراً يعني إهمالاً وفوضى».

في مقابل رأي قيادة المديرية، يتداول العناصر والرتباء موقفاً مناقضاً. يتحدّث هؤلاء عن مظلومية يكابدونها يومياً، متحدثين عن عهدٍ قاسٍ سببه المدير العام. يقول أحد الرتباء إنّ بيانات العقوبة التي ينالها العسكر يتقاسمونها سوياً للتخفيف عن بعضهم. فيقول: «أحياناً تجد رئيس قلم عليه بيان عقوبة لمدة ٢٠ يوماً من دون أن يكون ارتكب أي جرم. لماذا؟ لأنه يتحمّل عن زملائه عقوبة بقصد تخفيف العبء عنهم». وإذ يلفت إلى أنّ القسم الأكبر منها سببه عدم قمع مخالفات البناء، يستعيد مشهد تجمهر «الأهالي الغاضبين» في الكثير من المناطق لمنع قمع المخالفة. ويضيف الرتيب المذكور: «هذا الأمر يكلّف عناصر الدورية بيان عقوبة يدفع ثمنه اليوم بحرمانه من الترقية». إذ يُعد إهمالاً في الوظيفة. عسكري آخر يتحدث عن «مخفر قوامه 13 عسكرياً وآلية واحدة مكلّف بمتابعة شؤون أكثر من 20 بلدة بجميع مشاكلها. وإذا قصّر العسكري، يحاسب ويُحرم من الترقية».

على رغم الاستياء العارم من التشدد، إلا أنّ قرار اللواء عثمان قانوني


لماذا تشتكون من جور المدير العام علماً أنّه يُطبّق القانون؟ تساؤل يُجيب عنه أحد رتباء البناء بالقول: «في القانون نص يُبيح لآمر الفصيلة وضع يده على أي شقة خالية في نطاقه ويُسمح له أن يُسكنها. هل يُعقل أن يطبّق ذلك؟»، ويضيف: «المسألة ليست انتقائية، لكن يجب مراعاة الواقع. هناك الكثير من العسكر ظُلِموا». يستعيد هؤلاء تشدّد اللواء عثمان عندما عدّل النصوص الناظمة لعمل المديرية وباشر بتطبيقها فوراً بحرمانه من الترقية كل من في سجله 25 يوم عقوبة، بعدما خفضها من 60 يوماً. مثال إضافي يستعرضه العسكر الغاضب. يتحدثون عن «التفتيش الإخباري والتفتيش الفجائي». وهي «كبسات» ينفذها ضباط من المديرية العامة أو المفتشية العامة أو الرئيس المباشر على المراكز. وتستهدف عمليات الدهم هذه تفتيش القيود ونظافة السلاح، ويندر أن تكون من دون نتيجة. يقولون: «لا يُعقل أن يعود ضابط ويقول لا يوجد مخالفة. لا بد أن يُدوّن مخالفة وغالباً ما تكون تافهة. وعليها يراكم في سجلات العسكري أربع أو خمس مخالفات من هذا القبيل سنوياً. فما بالك على مدى سني الخدمة؟ غير أنّ أحد الضباط القادة يستغرب «نقّ» العناصر الذين يعتبر أنّهم يستحقون الحرمان من الترقية، متسائلاً: «لو يصحّ ما يقولون لكان حُرم الجميع من الترقية. لماذا حُرم نحو ١٣٠٠ عنصر دوناً عن غيرهم البالغ عددهم أكثر من ٢٠ ألفاً؟ ببساطة لأنّ هؤلاء مهملون لا يلتزمون بالقانون فيما زملاؤهم يفعلون».
رُفعت جداول الترقية منذ نحو أسبوع لترقية المقبولين، علماً أنّ هذه الترقية جاءت متأخرة أكثر من عام بعدما كانت تستحق في 1/1/2017. يقول أحد الرتباء: «كل من هو دون رتبة ضابط، لا أحد يسأل عنه. كل ما يطال العسكر دون الضابط، لا يُثيره أعضاء مجلس القيادة. أما إذا كان يتعلّق بالضباط، فالكل ينهض خوفاً من المساس بامتيازات الضباط». ويتحدث هؤلاء عن مراعاة أعضاء مجلس القيادة للمدير العام لكون الأخير يوقّع لهم قرارات السفر. إذ إنّ أغلبهم يسافر ستة أو سبعة أيام شهرياً، ومعارضته ستعني حُكماً المخاطرة برفضه توقيع قرارات سفرهم وخسارتهم بدلاتها المالية. ويقول أحد الرتباء: «أحد الضباط المحميين سياسياً (قائد وحدة) يتحمّل مسؤولية معظم مخالفات البناء في إحدى المحافظات. لماذا لا تتم محاسبته وتُلقى المسؤولية على العسكر وحدهم؟».