رقمها 373. غرفة صغيرة في قلب سوق كبير، صارت كل حياته. هنا، قضى محمد نعمان، الحرفي الآتي من طرطوس السورية، سنوات طويلة منذ نحو 30 عاماً، بين عشرات اللوحات التي نحتها بيديه.

كأنه في بيته. يتجول في ممرات السوق، مستذكراً سنواتٍ كثيرة قضاها هنا. يتجول بين «كادرات» تنتظر أن يجمع أطرافها لتصبح لوحة أو يدلّ إلى صورة فوتوغرافية محمية بالزجاج «ومقطّعة عالمقاس».
أوائل تسعينيات القرن الماضي، وصل محمد إلى لبنان، قبل أن يكمل عقده الثاني. هوى مهنته منذ الصغر، إذ لطالما تسلى بجمع القطع الخشبية التي كان يصنع منها قطعة مفيدة. اليوم، بعد كل هذا العمر، لا تزال الهواية هي نفسها، وإن استحالت مهنة. بعينين برّاقتين، يدلّنا إلى اللوحات التي صنعها من قطعه الخشبية، وتلك التي تنتظر التنفيذ: هذه «أندلسية»، وتلك «إسلامية». هنا، نساء يرقصن داخل إطار خشبي، وهناك إمرأة مستلقية تخفي وجهها وسط إطار مزخرف. على الحائط، آلة موسيقية، وعند الزاوية قرب الباب، أشكال هندسية «من أجواء بيكاسو».
«لو عندي وقت، أنا برسم»، يخبرنا عن هوايته في الرسم. يتنقّل بين المستودع والمعمل، مراقباً زوجته في الجهة المقابلة من الدرج. ينادي «سوسن»، ملوّحاً لها بيده. سوسن إبراهيم زوجته منذ ثلاث سنوات. تهوى المهنة مثله. يُعرّف عنها بـ«الفنانة العظيمة». والدها أتقن فن التعامل مع اللوحات، وأورثها الموهبة. صاحبة رؤية وتشاطر زوجها النشاط والمرح واللمسة المهنية. ثنائي ينثر الحب بين الممرات الرمادية. يكسر رائحة الغبار وصدأ الحديد، ويضفي حركة وحياة على المبنى شبه المهجور إلا من ألوان لوحاتهما الزاهية وضحكاتهما.
«شو ما بدّك عنّا»، يجيب نعمان حول أنواع اللوحات المتوفرة لديه. يبدأ بالعدّ: لوحات زيتية. كنفاس. بلكسي. خطوط عربية. لوحات إسلامية. لوحات تجريدية. لوحات شرقية. أبعاد ثلاثية. حفر على الزجاج. حفر على الخشب. سيراميك. فخّار... «منعمل العجايب نحن بشغلنا»، يقول ضاحكاً، وهو يتلمّس كادراته ويتفقد المكنات كمن يطمئن إلى صغاره.
إثنتا عشرة ساعة يقضيها يومياً بين لوحات عارية. لولا زوجته، لكانت الحرف صديقته الوحيدة. لا يملّ من الكلام عن صُنعته. ولو قُدِّر له مزيداً من الوقت، ما كان ليتردّد في استغلاله في المكان نفسه. يتابع كل ما هو متعلّق بالمهنة. يلفّح الخشب بمواد عازلة تمنع تجمّع الحشرات والبكتيريا، كمن يلقّح صغاره ضد أوبئة لينعموا بصحة جيدة وعمر طويل. يزيد على مجموعته فنوناً مستحدثة مؤخراً في الصين، وآخر صرعات الموضة الفنية، ولو أنها لا ترضي ذوقه، فهو دوماً يفضّل «الفن الأصيل على الشغل الصيني التجاري السريع والعمل اليدوي على شغل المكنات، ولكن ما باليد حيلة، بدنا نكمّل». هذا ما جعله يكمل حياته في تلك الغرفة التي تحمل الرقم 373، والتي صارت كل عمره.