في المبدأ، لا أمل بحماية ما بقي من السور الروماني القائم في العقار 740 في منطقة الباشورة، بعدما… انقطعت آخر الخيوط بصدور قرار مجلس شورى الدولة في شأن المراجعة المستعجلة حول وقف الأعمال في العقار، التي كانت قد تقدّمت بها المحامية فداء عبد الفتاح. فقبل أيامٍ قليلة، جاء الردّ من غرفة قضاء العجلة في «الشورى»، القاضي بـ«ردّ المراجعة في الشكل لانتفاء الصفة والمصلحة لدى المستدعية»، كذلك «ردّ طلبات التدخّل والإدخال في المحاكمة الحاضرة»، التي قد تقدّم بها، في وقتٍ سابق، النائب جميل السيد والنائب السابق نجاح واكيم.

إذا، لا صفة ولا مصلحة للمستدعية. هكذا، جاء الرد - المتوقع - الذي أعاد تذكير الجهة المستدعية بردّ الدولة اللبنانية، المستدعى بوجهها، بأن صفة المواطن وحرصه على الملك العام لا يعنيان شيئاً. لا مكان لهما في الأساس. من هنا، كان القرار الحاسم بأن لا يمكن الجهةَ المستدعية، في ظل عدم توافر شرطَي الصفة والمصلحة التي يجب أن تكون شخصية ومباشرة، «ولوج باب الدعاوى والمراجعات القضائية»، تحت رعاية المبدأ القانوني المعروف الذي مفاده «لا دعوى بدون مصلحة». هذا ليس آخر الرد، ففي التتمة، قرر «الشورى» أيضاً أن «لا لطلبات التدخل والإدخال، طالما أن الشروط الشكلية لقبول مراجعة الجهة المستدعية غير متحققة». مع ذلك، من المفترض أن تتقدم جمعية تجمع حماية التراث بمراجعة بالأساس أمام مجلس الشورى، مطلع الأسبوع المقبل.
بالعودة إلى الرد، استفاض المجلس في تفسيره لشرطَي الصفة والمصلحة، فاستنجد بالاجتهاد الإداري اللبناني والفرنسي على السواء، الذي يعتبر أن «صفة المواطن وحدها لا تعطي المصلحة للتقاضي»، وذلك «منعاً من جعل المراجعة أمام مجلس الشورى مراجعة شعبية تحت ستار الحفاظ على مبدأ الشرعية أو على الأملاك العامة أو الآثار من قبل القاضي»! من جهة أخرى، عزّز هذا الرأي بأحكام المادة 106 من نظام المجلس نفسه التي تنص على أن «لا يقبل طلب الإبطال بسبب تجاوز حد السلطة إلا ممن يثبت أن له مصلحة شخصية مباشرة مشروعة في إبطال القرار المطعون فيه».
هكذا، جاء القرار معيداً التذكير بأن صفة المواطن في هذه البلاد لا تعني شيئاً. هذا من جهة. أما من جهة أخرى، فقد حصر القرار الدفاع عن الأملاك العامة - أي لعموم الناس - بمن له مصلحة مباشرة وشخصية. وفي حالة الدفاع عن السور الروماني الأثري، لا يمكن إلا مَن يتضرر مباشرة وشخصياً من الأعمال القائمة في العقار أن يتقدم بالمراجعة. وهنا، لا اعتبار لقضية الملك العام وحق كل الناس به. فإما أنك متضرر بشكل شخصي، أو لا علاقة لك بحماية ما يفترض أنه ملك عام.
هذا ما يقوله القانون. ولكن، حتى في ظل هذه النصوص، هناك هامش للقاضي للتحرك ضمنه، وهو الاجتهاد. هو أن «يشقى القاضي ليجد للهجة المستدعية السند القانوني»، بحسب أحد القضاة. بتعبير آخر، أن «يشقى ويجتهد من قلب النص القانوني ليجد المخرج الإنساني كما القانوني الملائم».
ثمة رأي آخر، لقاضٍ من أهل البيت: من مجلس شورى الدولة. يتحدّث هذا الأخير عن الإشكال الأساس هنا: عن الصفة التي لا تزال موضع جدلٍ في القضاء الإداري. ويتحدث الأخير عن توجّه عند القضاء في مثل هذه الحالات، إلى اعتبار «أن لا صفة متوافرة». بتعبير أوضح «ما في صفة لشخص كمطلق شخص»، ذلك أن المراجعات أمام مجلس شورى الدولة «لا تعتبر شعبية… وإلا صارت مفتوحة لمين ما كان».
في رأي آخر أيضاً، تطرح هذه القضية مشكلة من حدَّين، منها أنه لا يمكن من جهة «التذرع بصفة عن الحديث عن ملك عام، ومن جهة أخرى تخطي ما ينص عليه القانون في ما يخص شرط الصفة، وإلا فلا يعود هناك نظام». وفي كلتا الحالتين، المشكلة قائمة. فماذا يعني أن تلغي حق المواطن بالدفاع عن ملك عام يمسه هو الآخر؟ وماذا يعني الاعتراف بصفة المواطن وتالياً فتح المجال أمام أيٍّ كان لفعل ذلك؟ وبحسب هذا الرأي، قبول المراجعة بالشكل يعني أنها سابقة. وهذا بالتالي، موضوع جدلي. فمتى تكون الصفة مقبولة؟ ومتى لا؟ ومتى تتحد المصلحة بالصفة ومتى تفترقان؟
بصرف النظر عمّا يمكن أن يكون عليه الجواب، يشير القاضي إلى أن «هناك قانوناً يضبط الصفة والمصلحة لا مجال لتخطيه»، ولكن في المقابل هناك اجتهاد. وهذا، ما لم يفعله القاضي في قضية السور الروماني.