منذ سنوات طويلة، تتوالى «أجزاء» مسلسل السيول في البقاع الشمالي، وتتنقّل أحداثها بين الهرمل ورأس بعلبك والقاع وغيرها، لكن وفق «سيناريو» واحد: «شتوة» أولى يتبعها سيل جارف يتسبّب بأضرار كبيرة في الممتلكات، فزيارات تفقدية للبلدات المنكوبة، ثم عبارات تعاطف ووعود بمسح للأضرار، تليها وعود بدفع التعويضات (لا تُدفع أبداً) ودعوات إلى خطط لدرء الكوارث (لا تُطبّق أبداً)... ثم «إلى اللقاء» مع سيل آخر... وهكذا!

في أيار 2017، قطع رئيس الحكومة سعد الحريري جلسة مجلس الوزراء المنعقدة في السراي، وتابع مع عدد من الوزراء، عبر شاشات اتصال تلفزيوني موصولة بمحافظة البقاع، مناورة حية لـ«خطة الاستجابة للكوارث والأزمات الخاصة بمحافظة بعلبك – الهرمل»، نظمتها وحدة إدارة مخاطر الكوارث التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP). وحاكت المناورة تمريناً ميدانياً لسيناريو فيضان على ضفاف نهر العاصي. يومها أثنى الحريري على جهود منظّمي المناورة، وأكد «دعم الحكومة ووضع إمكاناتها في تصرفهم ليستطيعوا القيام بالمهمات المنوطة بهم في مثل هذه الحالات».

جرافة واحدة و10 سيارات إسعاف لـ 21 مركزاً تعاني من نقص فادح في العديد


و«مثل هذه الحالات» هو تماماً ما حدث يوم الجمعة في بلدة اللبوة في البقاع الشمالي. إذ اجتاح سيل قادم من جرود عرسال، في السلسلة الشرقية، ساحة البلدة وأحد أحيائها وجرف معه سيارات وألحق أضراراً جسيمة بشبكات الصرف الصحي والكهرباء والمياه وبالمحلات التجارية على الطريق الدولية. كما أدى إلى حجز آلاف المتوجهين إلى البقاع الشمالي في سياراتهم لساعات طويلة. فيما كانت الجرّافة الوحيدة التي تملكها البلدية تصارع لإزالة ما أمكن من الصخور والأتربة التي قطعت الطريق الدولي، بمساعدة عناصر مركز الدفاع المدني في البلدة. فيما سارعت «وحدة إدارة الكوارث في بعلبك ـــــ الهرمل» إلى الاجتماع في مبنى المحافظة، وطلبت مساعدة وزارة الأشغال العامة بإرسال جرافات كبيرة لإزالة الصخور والوحول والعوائق من الطرقات.
سيل اللبوة أكّد المؤكد، وهو أن «الكارثة» تكمن في أن أحداً غير جاهز لمواجهة أي كارثة طبيعية. إذ إن 21 مركزاً للدفاع المدني في منطقة بعلبك ــــ الهرمل، تمتد بين بلدتي القصر والقاع الحدوديتين شمالاً إلى بدنايل والنبي شيت جنوباً، لا تملك سوى جرافة كبيرة واحدة وثلاث جرافات صغيرة من نوع «بوبكات» و10 سيارات إسعاف، ناهيك عن النقص الفادح في العديد. إذ يبلغ مجموع عناصر هذه المراكز 56 (مع بعض المتطوعين)، وفي بعضها لا يوجد أكثر من عنصر واحد!
مصادر في الدفاع المدني قالت لـ«الأخبار» إن نقص العديد سببه عدم توقيع مرسوم تثبيت متطوعي الدفاع المدني. ولفتت إلى أن نقص الآليات «تعاني منه معظم المناطق اللبنانية، وإن بتفاوت، لعدم إجراء المديرية مناقصات لشراء آليات منذ زمن بعيد».
نائب المنطقة عن حزب الله إيهاب حماده وصف «النقص الفادح» في العناصر والمعدات والتجهيزات بأنه «استهتار بحياة الناس»، لافتاً إلى حادثة احتراق فتى في منزله في بلدة الهرمل لعدم امتلاك مركز الدفاع المدني آلية إطفاء صغيرة يمكنها الوصول إلى الأحياء الضيقة. وقال إن المدير العام للدفاع المدني ريمون خطّار «الذي زرناه مؤخراً لم يبد تجاوباً في معالجة النقص في المحافظة، ونحاول عبر البلديات وحزب الله تغطية بعض الحاجات الضرورية».
أمين سر «وحدة وحدة إدارة الكوارث في بعلبك ـــ الهرمل» المهندس جهاد حيدر أكد لـ«الأخبار» أن دور الوحدة «وقائي». إذ إنها رفعت تقارير لوزارة الداخلية والبلديات بضرورة اتخاذ ترتيبات بهدف درء مخاطر السيول، وعدم السماح بالبناء في مجاري الأنهر والسيول «إلا أن الأمور تزداد سوءاً عاماً بعد عام». ولفت إلى أن سيل اللبوة الأخير «سلك مجراه الطبيعي. لكن التعديات على حرم مجراه والكيوسكات المنتشرة على الملك العام والمعتدية على الطريق في ساحة البلدة زاد من الأضرار المادية»، وهو ما أكّده رئيس البلدية محمد رباح، مشيراً إلى أن «هذه التعديات موجودة منذ عام 1967 وليس في إمكان البلدية إزالتها».

لا رقابة على الأشغال ولا التزام بالمواصفات والبلديات عاجزة عن مواجهة التعديات


مناورة العام الماضي ترافقت أيضاً مع وعود بإنشاء برك لدرء مخاطر السيول عن البلدات المهددة، وهو ما يؤكّده حيدر، مشيراً إلى أن هذه البرك «كانت جاهزة وتحتاج للتمويل، وتم بحث ذلك بين رئاسة الحكومة والـ UNDP، لكن لم يتوافر التمويل بعدما تبين أن البرك التي نفذت في رأس بعلبك سابقاً انهارت مع أول سيل لعدم وجود رقابة على الأشغال وعدم تنفيذها بالمواصفات الفنية المطلوبة. بل إن ما ينفذ اليوم من أشغال في مجرى السيل في رأس بعلبك أكثر سوءاً، وهذا هدر للمال العام واستخفاف بأرواح الناس ومصالحهم»!
مصدر في «وحدة إدارة الكوارث» قال إنها رفعت تقريراً إلى رئاسة مجلس الوزراء يشير بشكل واضح إلى مجموعة نقاط لا بد من الأخذ بها وإلا ستكون الأضرار أكبر في كل مرة. ويشرح التقرير الذي حصلت «الأخبار» على نسخة منه طبيعة مناخ البقاع الشمالي التي تسمح بتشكل السيول، والتعديات على الطرق ومجاري السيول وأقنية التصريف والأملاك العامة وعدم قدرة البلديات على منع هذه التعديات على رغم أن هذا «لا يعفيها من المسؤولية». ويشير التقرير إلى «الرعونة في دراسة وتلزيم الأشغال التي لا تراعي السلامة العامة وتنفذ من دون رقابة وخلافاً للشروط والمواصفات الفنية»، وإلى «غياب المنهج العلمي وعدم إنشاء كواسر وتقنيات إنذار مبكر وعدم أخذ الدروس من حوادث السيول السابقة». ويلفت التقرير إلى أن «الثابت العلمي في كل ما يحصل أن كلفة الوقاية من الكوارث تبلغ دولاراً واحداً، في مقابل عشرة دولارات في حال عدم الوقاية»!
إلى ذلك، أنهت فرق من الجيش أمس مسح أضرار السيل في اللبوة، وتلقى أبناء البلدة وعداً من رئيس الهيئة العليا للإغاثة اللواء محمد خير بدفع التعويضات فور إنجاز ملفات المسح. علماً أن التعويضات عن أضرار السيل الذي ضرب بلدات رأس بعلبك وطاريا وشمسطار وكفردان في حزيران الماضي لم تُدفع بعد. فيما لم تُدفع تعويضات لمربي الأسماك في الهرمل منذ عام 2006!