على قاب قوسين من تشكيل الحكومة، ومحاولة سحب فتيل التوتر الداخلي بعدما كثرت الخلافات المحلية وانعكست سلباً على المكونات الرئيسية، ستكون الحكومة العتيدة أمام أولى تحدياتها الحقيقية المتصلة بالعلاقة مع سوريا. صحيح أن كل الأفرقاء اتفقوا ضمناً قبل أسابيع على تحييد هذا الملف في انتظار كلمة السر التي ستسمح بتأليف الحكومة، وأرجأوا البحث فيه حتى يتبلور الحل الحكومي، إلا أن تطورات سوريا اليومية تضع هذا الملف مجدداً على المحك.

لا شك في أن كلاماً كثيراً قيل في هذه العلاقة ومستقبلها، لكن ثمة زاوية واقعية تنظر إليها أوساط سياسية بترقب، نتيجة المعاينة الإقليمية والدولية لوضع لبنان وسوريا معاً. فمع تطور الوضع السوري، كان واضحاً حجم دخول الدول المعنية إقليمياً ودولياً، على خط مراقبة الحدود المشتركة بين سوريا وبلدان الجوار، والتحكم بمصيرها ومراقبتها عن كثب. هكذا كانت حال الحدود السورية مع الأردن ومع العراق ومع تركيا، وطبعاً مع الجولان المحتل. إذ شهدنا احتضاناً دولياً وإقليمياً لكل تطور ميداني وعملي على هذه الحدود، منذ أن اندلعت الحرب السورية، وصولاً إلى التطورات العسكرية التي حسمت المعارك في محافظات سورية لمصلحة النظام السوري، بدعم من إيران وحزب الله وروسيا. وجرى التركيز في كل مفاوضات دولية سياسية أو أمنية تتعلق بضبط المجموعات والتنظيمات المسلحة، على معاينة الحدود وضبط أوضاعها. وما حصل أخيراً، سواء بالنسبة إلى منطقة الجولان وعودة الأندوف إليها، ومن ثم افتتاح معبر القنيطرة، أو تشدد تركيا في مراقبة المناطق الحدودية ووضعها تحت معاينتها عن كثب، وصولاً إلى فتح المعابر ومنها نصيب مع الأردن، والبوكمال مع العراق، دل بوضوح على هذا الاهتمام الدولي بكل دولة من دول الجوار على حدة، والتعامل معها على قاعدة مستقلة.
وحده لبنان، ظل خارج هذه الدائرة. إذ تبدو واضحة أيضاً، هذه النظرة الدولية لسياسة الحدود المفتوحة بين لبنان وسوريا، إلى الحد الذي لم يعد أي طرف دولي يتحدث عن هذا الفاصل المفترض أن يكون قائماً عملياً بين البلدين. يمكن وفق ذلك ملاحظة التعامل الدولي والإقليمي مع لبنان ليس كساحة مستقلة عن سوريا، بل كامتداد للأزمتين المفتوحتين، وإن كانت الصورة قد صارت معكوسة عمّا كانت عليه سابقاً، حين كان لبنان يشتعل بالحرب. انحسر كثيراً الكلام عن التمايز بين الساحتين، أو عن فصل الأزمتين، وعن التشدد في معاينة الحدود والكلام عنها كحدود حقيقية فاصلة بينهما، على عكس ما جرى مع الحدود الأخرى. ولا يتعلق الأمر فقط بتراجع دور التنظيمات الإرهابية وتمددها الحدودي. لأن الواقع اللبناني السوري بات يحمل في طياته كثيراً من العناصر المشتركة، في شكل يتعدى المناظرات حول زيارة وزير لدمشق.
لا يمكن اختصار الحدود المفتوحة بين البلدين بالمعنى السياسي والعملي، بتدخل حزب الله في سوريا فحسب، رغم أنه الحدث الأبرز في السنوات الأخيرة. فثمة تطور يعكس جانباً من التداخل الذي عاد يتكرس في الكلام الرسمي على أكثر من مستوى، والكلام السياسي العام الإيجابي تجاه سوريا، وهو مرجَّح للتفاقم. والتجاذب الذي لا يزال قائماً بين المؤيدين لعودة العلاقات مع النظام السوري إلى طبيعتها وبين رفض قوى سياسية لا تزال على عداء معه، سيكون حاضراً بطبيعة الحال بقوة كأول تحدٍّ أساسي في البيان الوزاري المرتقب للحكومة العتيدة. وهذا الأمر لن يكون نقاشاً تقليدياً، في ظل وقائع عملية، لأن ثمة حقيقة تعلو فوق رفض فريق سياسي التطبيع مع سوريا، هو أن ما يجري على الحدود المشتركة بين البلدين، صار أقوى من أي بيان وزاري، ومن أي كلام عن حياد لبنان أو عن فصل أزمته عن سوريا.

الواقع الذي يتكرس يومياً بين البلدين لا يحتمل الكثير من المكابرة

وأي صيغة مفترضة للتحايل على سياسة الحدود المفتوحة ستكون كمن يدفن رأسه في الرمال. فكيف يمكن التعامل سياسياً مع سوريا، في وقت أصبحت حدودها وكأنها امتداد عملي للبلدين، والأجهزة الأمنية على تنسيق تام معها، وجزء أساسي من العهد والحكم يتعاطى رسمياً مع تطورات سوريا بإيجابية مطلقة، ويتصرف تجاه أحداثها الأساسية وكأنها عناصر محلية بامتياز؟ وليس التعامل مع فتح معبري نصيب والبوكمال وإظهار أهميتهما كواحة اقتصادية ومعيشية أساسية، إلا جزءاً مكملاً لسياسة سحب كل عناصر الخلاف مع سوريا وتطبيع التهدئة والتنسيق معها. ولا شك في أن الحلقة الرسمية المؤيدة لهذه السياسة، مدعومة بتوافق قوى سياسية مؤيدة لسوريا، ستكون في مواجهة فريق سياسي يريد تضييق مساحة التقارب مع دمشق. من دون أن يأخذ هذا الفريق في الاعتبار، أن الواقع الذي يتكرس يومياً بين البلدين لا يحتمل الكثير من المكابرة، ما دام هذا الفريق ارتضى التسوية الرئاسية والحكومية بكل مفاعيلها، وأن الدول الكبرى والمعنية بالشأن السوري تصرف النظر عن المنحى الذي يتكرس بين لبنان وسوريا. ووفق ذلك، لا تعود خطب الممانعة تفيد كثيراً في بيان وزاري، سيظل سقفه أدنى من الواقع السياسي والحدودي بين لبنان وسوريا.