«تشكيل الحكومات في لبنان أشبه بحلّ الكلمات المتقاطعة. يأتي الرئيس المُكلّف ويضع أمامه الخرائط: خريطة للمناطق اللبنانيّة، خريطة للطوائف اللبنانيّة، خريطة بالكتل النيابيّة في لبنان وخريطة للنوّاب المنفردين الذين يجب أن يُكافأ بعضهم... ويبدأ التركيب وتبدأ الكلمات المتقاطعة». هذا مقطع مِن كلمة للنائب السابق نجاح واكيم، ألقاها في مجلس النوّاب قبل 45 عاماً، ولو شاء اليوم أن يُعيد نشرها، حرفيّاً، لكانت أكثر راهنيّة مِن تصريحات كثير مِن النوّاب الحاليين. ما زال تشكيل الحكومة في هذه البلاد أقرب إلى المعجزة. لم يكن واكيم، على ما يبدو، متفائلاً منذ البداية حيال عمل السلطة السياسيّة في لبنان: «كلّ هذه الحكومات كنّا دائماً، بعد أن تذهب، نقول: هذه الحكومات لم تعمل شيئاً، ثمّ تأتي الحكومة الجديدة فنترحّم على ما سبق». كم مرّة، بعد ذلك التاريخ وإلى اليوم، ترحّم ذاك النائب على ما سبق؟ أتراه ما زال يترحّم أصلاً؟

في كلمته تلك، قبل نحو نصف قرن، يقول واكيم: «مع الأسف، الحكومة اللبنانيّة شُكّلت على أساس طائفي. مثلاً، مع احترامي للجميع، ولكن أردنا الإتيان بوزيرين مِن جبهة النضال، وكانا درزيين مِن طائفة واحدة. كان مِن المفروض المجيء بوزير يزبكي. فقد أصبح الدروز ثلاثة وهذا ما يجعل الأرثوذكس على زعل، ويحق لهم وزيران. وعندما يزعلون نأتي بوزير ثالث حتى لو كان وزير دولة، وزير بلا وزارة. وهكذا الطوائف الأخرى وبهذا يقولون إنّ المشاركة قد تحققت». لا شيء يتغيّر في هذه البلاد. وحدها الأسماء فقط. المشهد نفسه، راهناً، حيث العجز عن تشكيل حكومة للأسباب نفسها. كان واكيم صاحب طرح، وإن بدا اليوم غريباً، يجمله في كلمته تلك: «يجب تعديل قانون الانتخابات بحيث يراعى فيه تمثيل قوى الشعب العاملة. ومِن هنا، فإننا نطالب بأن تكون الدائرة ثنائيّة، أي أن يترشّح اثنان في كلّ دائرة، واحد يمثل ذوي الدخل المحدود وواحد يُمثّل أصحاب الدخل العالي، بحيث يكون على الأقل نصف أعضاء البرلمان اللبناني من الناس الذين دخلهم محدود. هكذا تتمثّل الديموقراطيّة وتكون السيادة بيد الشعب وتكون المشاركة للشعب». اليوم، بعد كلّ تلك السنين، أصبح الفارق فلكيّاً بين أصحاب الثروات وذوي الدخل المحدود. أمّا واكيم فظّل يتكلّم عن الشعب، يُراهن على الشعب، على حركته، وصولاً إلى الانتخابات النيابيّة الأخيرة. خسرت «حركة الشعب». لم يعد يتحدّث كثيراً. لكن، أساساً، هذا الصنف مِن الناس يستحق أن تُجرى عليه التجارب، النفسيّة، لاستخلاص اللغز الذي يجعله، لنحو نصف قرن، لا يُصاب باليأس. مِن أين يستمد هؤلاء الطاقة للاستمرار؟ ما هو اللون الأكثر قتامة مِن الأسود؟ «الأيادي السود» أيّ لون يقترح لها اليوم... وهو، اليوم، يُقرّ بأنّ الوضع أصبح أسوأ؟ عشرون عاماً على كتابه ذاك والفساد هو الفساد... وأفسد. عندما نذكّره بذلك، وبكلمته القديمة في مجلس النوّاب، لا يجد سوى أن يقهقه بشيء مِن السخرية.

أثار واكيم قبل نحو نصف قرن مسألة عمل المياومين وتساءل عن سبب حرمانهم


مِن مجلس النوّاب عام 1973 قال واكيم: «للجريمة سببان أساسيّان، الجهل والفقر، يعني عندما لا تكون المدارس المجانيّة معمّمة. كنت سأطالب لمنطقة بيروت الثالثة بمدرسة ولكن عندما رأيت حالة المدارس في البقاع والجنوب والجبل، خجلت من أن أطالب بهذا المطلب. ميناء طرابلس حكر لشخص. ميناء صيدا لا يستخدم، لماذا لا توزع الأعباء على الموانئ الثلاثة بحيث تنمى مناطق الجنوب والشمال وتستفيد من الترانزيت ومن المرافئ ويخف الضغط عن مرفأ بيروت». كان الرجل يعيش المعنى الحقيقي لعبارة «نائب الأمّة». هو ابن بيروت ولكنه يتكلّم عن الأطراف والتنمية المتوازنة. كان هذا، بالمناسبة، قبل الحرب الأهليّة. كيف تعصف حرب، لأكثر مِن 15 عاماً، ببلدٍ ثم يخرج بالمشاكل نفسها؟ لِمَ كانت الحرب؟ يستخدم واكيم في كلمته مفردة «الأشباح». هذه المفردة التي أعاد استحضارها وزير الداخليّة السابق، حسن السبع، عندما كان يبحث عن القتلة قبل نحو عشر سنوات. اليوم تستخدم كثيراً مِن قبل سياسيين لتفسير الواقع. يقول واكيم في كلمته: «أعود إلى ذكر الأشباح، سمعنا رئيس حكومة سابق يقول الأشباح، واتهمه البعض بأنّ الأشباح كانت في أيّامه، وهو اتهم غيره بأنها كانت قبله. إذاً، نحن مِن عصر الاستقلال حتى اليوم نعيش في دنيا الأشباح. وإلا فكيف يمكن أن يطلب رئيس حكومة، هو المسؤول الأول في الدولة، أن يطلب تقريراً من قيادة الجيش وتمتنع قيادة الجيش عن تسليمه».
كان هناك، قبل 45 عاماً، أزمة «داتا اتصالات» أيضاً إنّما بعنوان مختلف. كانت وزارة الاتصالات اسمها وزارة «البريد والبرق والهاتف». طالب واكيم بمعرفة مَن يُراقب التلفونات: «لماذا يكون تلفون نائب مراقباً؟ مواطن عادي معتّر، درويش، كويس، واحد بدو يغازل واحدة، لماذا يراقبونه؟». اليوم ما عاد أحد يسأل هذه الأسئلة أصلاً. أما بالنسبة إلى الكهرباء، الشيء الوحيد ربّما الذي كان أفضل في الماضي، لكن مع ذلك نأخذ لمحة من واقع تلك المرحلة مِن كلمة واكيم: «هناك احتكار فعلي وهناك سيطرة من بعض الأشخاص. أذكر شركة كهرباء قاديشا مثلاً جرّت 6000 شخص في طرابلس إلى المحاكم بالرغم من تظاهر ومطالبة الأحزاب والنقابات والجماهير». أمّا حكايات قطاع الدواء، آنذاك، فيقول عنه: «طلاب الصيدلة يتخرجون ولا يمكنهم العمل فيؤجرون شهاداتهم للذين يحتكرون استيراد الدواء 300 و250 و350 ل. ل. لماذا؟ في عام 1964 أجريت دراسة حول إنشاء معمل أدوية في لبنان، لا يكلف كثيراً ليس أكثر من 25 مليون ليرة، ويدر أرباحاً طائلة على لبنان، البلدان العربية يمكن أن تعتبر سوقاً أساسية لتجارة الأدوية. أنها بحاجة إلى أدوية ولدينا في لبنان خريجو صيدلة، ولدينا إمكانية لإنشاء هذا المصنع. لماذا لا ينشأ هذا المصنع». كان واكيم طموحاً. كان حالماً.
مَن منّا لا يسمع بعبارة «المياومين» في أيامنا؟ القصّة قديمة. في كلمة النائب، قبل الحرب الأهليّة، يرد الآتي: «لماذا هذا الحرمان من العمل؟ مشكلة المياومين يجب أن تعالج سواء في الإدارات الرسميّة أو في مراكز العمل الخاصة». نجده أيضاً يُطالب بحقوق عناصر الإطفاء. اليوم ما زال متطوّعو «الدفاع المدني» يبكون مِن أجل إنصافهم. أمّا بما خصّ النفايات، فيرد ذكرها أيضاً، إذ يقول: «بالنسبة للحديقة جنب الكنيسة في الدائرة الثالثة، أتى أناس يريدون أن يبنوا فيها. قالوا لهم إنها تخص الدولة. الآن صارت للأسف مزبلة. هذا شيء يضر بالصحة العامة ويضر بالمنظر». الآن أصبحت البلاد كلّها «مزبلة» يا نائبنا القديم.
بالمناسبة، عام 1973 لم يكن هناك حزب الله بعد، لكن مع ذلك كان هناك حديث عن «سياسة دفاعيّة» للدولة. عجيب! قال واكيم في كلمته البرلمانيّة: «كلّ بلد له سياسة دفاعيّة ليدافع عن نفسه، ما عدا لبنان، وقد اعترفت بذلك لجنة التحقيق البرلمانيّة». هنا قاطعة ريمون إدّه قائلاً: «يجب أن تؤمّن مياه الشرب قبل السياسة الدفاعيّة. إنك تموت مِن العطش ولن تستطيع المحاربة». يُجيبه واكيم: «نعني بالسياسة الدفاعية أنّه يجب أن نحدد من هو العدو، من هم حلفاء العدو. من نحن ومن هم حلفاؤنا في المعركة، ما هي الإمكانيات المتاحة والتي قد تتاح للبنان. كم يتمكن لبنان من توفير مال من أجل البذل ومن أجل إعطاء قواته المسلحة؟ ما هو عدد الجيش اللبناني؟ كيف يجب أن يكون هذا الجيش؟». الخلاف نفسه. المنطق نفسه وكذلك الموقف المضاد. لا شيء يتغيّر. يُمكن لواكيم أن يُعيد نشر كلمته بتاريخ اليوم... ولن يُلاحظ أحد ذلك. ليس لديه اليوم تعليق غير التعليق الذي أطلقه في مجلس النواب، بعد الحرب الأهليّة، عندما كان في ذروة سجاله مع الحكومة: «ولك خلّصونا بقى».