الإخبار الشامل الذي قدمته مصلحة الليطاني هذا الاسبوع الى النيابة العامة المالية تضمّن إحداثيات مفصلة لمصادر تلويث النهر والفاعلين من مؤسسات وأفراد. لكنه فضح، أيضاً، تواطؤ الدولة المزمن على قتل المورد الأكثر حيوية في لبنان. إذ رغم المسوحات والاجراءات القضائية والاستدعاءات والاستجوابات، يواصل ملوِّثو النهر أعمالهم وكأن شيئاً لم يكن. المصلحة نبّهت الى أن استمرار التعديات على النهر يجهض كل الجهود المبذولة لإنقاذه، ويهدد بهدر الـ1100 مليار ليرة التي خُصصت لرفع التلوث عنه.

ادعى النائب العام الإستئنافي في البقاع القاضي منيف بركات على أصحاب 17 مصنعاً ومؤسسة في منطقة زحلة، تحوّل المياه العادمة إلى نهر الليطاني من دون معالجة. الإدعاء أحيل إلى القاضي المنفرد الجزائي في زحلة لتحديد جلسة لاستجواب المدعى عليهم، وهو يُضاف إلى ادعاء سابق على أصحاب 31 مصنعاً ومؤسسة بالجرم نفسه. المدعى عليهم الـ 48 هم جزء من 70 مصنعاً أظهر المسح الميداني الذي أجرته المصلحة الوطنية لنهر الليطاني أنها تلوث النهر بآلاف الليترات يومياً من المياه الصناعية غير المعالجة. الدفعة الأولى من المدعى عليهم، مطلوبون للإستجواب أمام القاضي الجزائي في السادس من الشهر المقبل. أما الدفعة الثانية، فسيصار إلى تحديد موعد لهم. فيما يجهز بركات ادعاءات جديدة بحق 22 مصنعاً في البقاعين الغربي والأوسط.


غير أن الاجراءات القضائية لم تنعكس بعد ــــ ولا يبدو أنها ستنعكس قريباً ــــ حماية للنهر من الضخ اليومي المستمر للتلوث الذي تقدّره المصلحة بأكثر من 35 مليون متر مكعب من المياه العادمة والسامة والصناعية، تتدفق سنوياً في الحوض الأعلى وتنتقل، بالمجرى والروافد، إلى الحوض الأدنى.

«انتحار» نهر
«لا يوجد شك لدى القضاء والأجهزة الامنية أن الليطاني مات بفعل بفاعل. لكن يراد لنا أن نفهم بأنه مات انتحاراً ولم يتم اغتياله!». هكذا استهل المدير العام للمصلحة سامي علوية الإخبار الشامل الذي قدمه مطلع الأسبوع الجاري إلى النيابة المالية، ملخصاً مئتي صفحة من المستندات التي تدين «معظم المساهمين في تلك الجريمة (...) مع تحديد الإحداثيات والنقاط الجغرافية والصور الفوتوغرافية التي تبيّن وجه الجرم ووجه التعدي وضرره مع فاعله».
يقدم الإخبار، المستند إلى مسح أجرته المصلحة في محافظتي البقاع وبعلبك ــــ الهرمل، خريطة مفصلة عن التعديات ومصادر التلوث والمتسببين به على مجرى النهر وروافده من المنبع في نبع العليق (بعلبك) إلى المصب في القاسمية (صور). وهو لا يتهم مؤسسات خاصة وأفراداً وبلديات بارتكاب جرائم تلويث البيئة والتعدي على الأملاك العامة وهدر الأموال العامة فحسب، إنما يعرّي أيضاً دور إدارات الدولة المتمادي، في السكوت عن التلويث وفي المشاركة فيه. وإذا كان المدير العام للمصلحة طلب من النائب العام المالي «اتخاذ الإجراءات الفورية الرامية الى إلزام المخبر عنهم بإزالة التعديات فوراً»، فإن الطلب نفسه كان قد رفعه سابقاً إلى وزارات البيئة والصناعة والزراعة والصحة والداخلية ومحافظة البقاع والقوى الأمنية (...)، بحق مصانع وبلديات وأفراد وكسارات ومقالع وتجمعات للنازحين السوريين. إلا أن كل هذه الطلبات بقيت حبيسة الأدراج. لا بل إن من ادّعي عليهم وينتظرون استجوابهم، لم يتوقفوا عن الامعان في الجرم الذين اتهموا به!

نص اخبار الى النيابة العام المالية من المصلحة الوطنية لنهر الليطاني كاملاً

هدر المال العام
لذلك، خلصت المصلحة إلى أن مبلغ الألف ومئة مليار ليرة الذي أقره مجلس النواب لإنقاذ النهر ورفع التلوث «تحوّل إلى واقع مغاير يوازي هدر المال العام»، بسبب «استمرار وثبات التعديات على النهر من دون قمعها وردعها، مما قد يهدر ويجهض الجهود المبذولة» لإنقاذ النهر. ولا يقتصر الهدر على الـ1100 مليار. إذ أن «تلويث المياه الوافدة الى بحيرة القرعون، أدى الى توقف مشروع ري البقاع الجنوبي الذي تديره المصلحة، وخسارة المزارعين مصدر رزقهم واضطرارهم للري بمياه النهر الملوثة على نحو يفاقم معاناة المواطن، وهدر الأموال العامة وتضرر معامل التوليد الكهرومائي جراء التفاعل الكيميائي الناجم عن هذه الملوثات». ناهيك عن الضرر الذي تلحقه المياه الملوثة بمحطات الري والشفة والآبار التابعة لمؤسسة مياه لبنان الجنوبي ومياه البقاع، ومشروع «قناة الـ 800» الجاري تنفيذه حالياً بمئات ملايين الدولارات، والذي يهدف إلى جر مياه الليطاني من روافده في البقاع الغربي إلى الجنوب!

تلكؤ السلطة
إخبار المصلحة تضمّن جداول تفصيلية للبلديات المسؤولة عن تحويل النهر الى قناة ضخمة للصرف الصحي مليء بالأتربة والنفايات الصلبة والصناعية وبقايا المسالخ والحيوانات النافقة، فضلاً عن الأتربة المتراكمة والسدود المفتعلة في مجراه نتيجة تحويله الى برك صرف صحي مخصصة لري المزروعات، والتعديات بالبناء غير المرخص التي ادت إلى طمر قسم كبير من المجرى وتضييق عرضه إلى حدود مترين في بعض الأماكن وإقفاله في مناطق أخرى. وهنا، تساءلت المصلحة عن دور وزارة الطاقة والمياه المعنية بمجاري الأنهر. «فالمعوقات والتراكمات التي اضاقت مجرى النهر، سببها اهمال تنظيف المجرى واهمال البلديات في الحفاظ على الجزء من النهر الذي يمر في نطاقها البلدي». ويلفت الإخبار إلى أن البلديات ملزمة بمعاينة كل مصبات الصرف الصحي في نطاقها وتحويل مجرى الصرف الى أماكن يتم زرعها بالقصب والنباتات في انتظار الإنتهاء من إنشاء محطات التكرير، فضلاً عن عدم السماح بوصل أي شبكات مجارير جديدة في المناطق القريبة من النهر التي لا توجد فيها محطات تكرير، وأن تفرض إنشاء جور صحية للوحدات السكنية وتأمين تفريغ هذه الجور وإيصالها الى المحطات، إضافة إلى تنظيف المجرى ونقل النفايات وإزالة العوائق منعاً للفيضانات قبل الشتاء. هذا في النصوص، أما في الواقع، فكل ذلك «لم يحصل برغم الإنذارات التي وجهتها المصلحة وتعميم محافظ البقاع الذي يلزم البلديات بما تطلبه المصلحة الوطنية لنهر الليطاني وبما تفرضه المصلحة العامة».
واستعرض الإخبار أوضاع مخيمات النازحين التي أُنشئت على ضفاف النهر وروافده، وبعضها أقيم على الملك العام وتم تأجيره الى المفوضية السامية لشؤون النازحين. إذ أن تلك المخيمات جعلت النهر مصرفاً ومكباً مع اقدام المتعهدين المكلفين نقل مياه الصرف الصحي بواسطة الصهاريج من المخيمات على تصريفها في النهر مباشرة او في حوض النهر بدلاً من تفريغها في محطات التكرير. كما حُوّلت مياه الصرف لبعض المباني التي يقطنها نازحون إلى قنوات الري التابعة للمصلحة، كما هي الحال في «سنتر البيبسي» في البيسارية (الزهراني) الذي يقيم فيه الف نازح.
كل الطلبات التي رُفعت إلى الوزارات ومحافظة البقاع والقوى الأمنية بقيت حبيسة الأدراج


وتوقف الإخبار عند «السكوت المتمادي عن التلوث الصناعي». ولفت إلى المراسيم والأحكام الخاصة بالمصانع الملوثة، ومنها أحكام الفصل الثالث من المرسوم 8018/2002 حول «سقوط الحق بالترخيص والإقفال والإلغاء»،في حال ثبوت مخالفة المؤسسات الصناعية للقوانين، والمرسوم 9765/2003 حول «الرقابة والتدابير والعقوبات المتعلقة بالمؤسسات الصناعية»، والاستشارة 609/2005 الصادرة عن هيئة التشريع والإستشارات في وزارة العدل التي «أكدت على امكانية المحافظ او رئيس البلدية اتخاذ التدابير المؤمنة للسلامة العامة بإقفال المؤسسة الصناعية اقفالاً مؤقتاً كون صلاحيات هؤلاء الاخيرين غير متعارضة مع صلاحيات وزير الصناعة». مع ذلك، استمر المحافظون ووزارة الصناعة بالعمل باستشارة سابقة صادرة عن الهيئة نفسها (رقم 763/2003) اعتبرت أن «صلاحية إقفال المؤسسات بيد وزير الصناعة دون غيره».