كان عنوان الجلسة التي عقدتها لجنة الإدارة والعدل، أمس، برئاسة النائب جورج عدوان، «الاستماع إلى وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال سليم جريصاتي ورئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد، حول ما أثير لجهة امتحانات معهد الدروس القضائية». لكن جان فهد لم يحضر، وكذلك أي من أعضاء مجلس القضاء الأعلى. هؤلاء تمسكوا بمبدأ فصل السلطات، هم الذين شهدوا جلسات لجان تحولت في السابق إلى منبر لمحاكمة القضاء. وعليه، أعلنوا أنه «لا يكون لرئيس لجنة الإدارة والعدل أن يستدعي رئيس مجلس القضاء الأعلى للاستماع إليه، فثمّة آليات لسؤال القضاة، ومنهم رئيس مجلس القضاء الأعلى، ومساءلتهم عن أعمالهم، ولإجراء الرقابة على هذه الأعمال، ليس منها دعوتهم للمثول أمام تلك اللجنة». هذا في القانون، أما في السياسة، فقد حصل فهد على دعم من الرئيسين ميشال عون ونبيه بري، اللذين رفضا أن تتحول الجلسة إلى جلسة محاكمة للقضاء. وتأكيداً على هذا الموقف أبلغ بري نواب أمل الحاضرين بوجوب مواجهة أي محاولة من هذا القبيل.

لم يشارك فهد لكن حضر وزير العدل، حاملاً كتاباً من مجلس القضاء الأعلى يرد فيه على اتهامات عدوان، لا سيما تلك التي ساقها في مقابلة تلفزيونية عرضت في 14 تشرين الأول الجاري. لكن المفاجأة أن وزير العدل لم يتطرق إلى الكتاب، فيما اعتبر عدوان أنه «أُرسل من مصدر لا علاقة له بما نبحثه»، انطلاقاً من أن «الإشكالية التي نطرحها تتعلق بمعهد القضاء وليس بمجلس القضاء الأعلى». كما أكد أنه «لم نتوجه إلى الرئيس فهد بصفته رئيساً لمجلس القضاء بل بصفته رئيساً لمجلس إدارة معهد القضاء»، رافضاً، بالتالي، الدخول في سجال مع المجلس. ومع ذلك، فقد وعد عدوان بأنه سيوزّع الكتاب على أعضاء اللجنة إلا أنه لم يفعل.
بالعودة إلى مقابلة عدوان على الجديد، فقد قال فيها، في معرض إشارته إلى أنه «مش ماشي الحال بالقضاء»، إن فهد (لم يسمه) «سعى إلى التدخل في عمل معهد القضاء في مسعى منه لإنجاح ابنه الذي رسب لأنه حصل على علامة 9 فيما المطلوب 12»، إضافة إلى أن «حضرة جنابو من موقعو ترأّس لجنة الامتحانات وكان ابنو عم بيقدّم». كذلك تطرق عدوان إلى حصول ابن قاض آخر على 7/20 في الخطي و17 في الشفهي، مشيراً إلى أن الفارق بين النتيجتين يؤكد أن نتائج الشفهي تعود لمعرفة اللجنة بالمتقدمين.
هي ثلاث نقاط فنّدها كتاب مجلس القضاء الأعلى، الذي صار متداولاً بين النواب، كانت كافية ليقتنع هؤلاء أن القضية «فيها إنّ»، على ما أكد أحدهم. هنا شكك البعض بأن هناك من يريد أن يحوّل اللجنة إلى مكان لتصفية الحسابات، أو تأديب للقضاة، من خلال تأديب أعلاهم رتبة. سأل أحدهم: هل من علاقة لهذا الأمر بقضية «أل بي سي آي» التي ينظر فيها القضاء؟ وهل عبر مناقشة قضايا فرعية وثانوية يتم التعاطي مع ملف إصلاح القضاء؟ وعلى سبيل المثال، ماذا عن تعديل المادة الخامسة من قانون مجلس القضاء العدلي، المتعلق بالتعيينات والمناقلات، والمحجوز عند وزير العدل منذ تشكيل الحكومة السابقة، بحجة انتظار ملاحظات مجلس القضاء نفسه؟ والأهم، لماذا سار وزير العدل سليم جريصاتي في الجلسة في الطريق الذي رسمه عدوان (بخلاف النائب ألان عون، على سبيل المثل، الذي بدا مطلعاً على الكتاب وحاول مراراً، من خلال أسئلة يتضمن الكتاب أجوبة عليها، أن يمهد الطريق أمام وزير العدل للخوض في مضمون كتاب مجلس القضاء الذي يرد على اتهامات عدوان، لكن من دون جدوى)، على ما سأل عضو في اللجنة، علماً أنه قال في الجلسة نفسها إن جان فهد (بعدم تنحيه عن رئاسة مجلس إدارة معهد الدروس القضائية أثناء تصديه لمسألة رسوب 9 متدرجين في المعهد، ومن بينهم ابنه) فعل ما سبق أن فعله هو نفسه عندما كان عضواً في المجلس الدستوري. حينها كان وكيلاً عن «امبراطورية آل المر»، كما قال، وكان في الوقت نفسه ينظر في الطعن المقدّم بنيابة ميرنا المر. وقد خلص في مطالعة قانونية أعدها إلى أن القاضي الكبير، أو من هو في منصب قضائي كبير، يفترض أن يكون فوق الشبهات، وبالتالي لا داعي لتنحيه عن قضية ينظر بها.

فهد رفض حضور جلسة «الإدارة والعدل» مدعوماً من عون وبري


مقرر اللجنة نواف الموسوي ذهب في مداخلته إلى الحديث عن دور لجنة الإدارة والعدل النيابية، مشيراً إلى أنها يجب أن تساعد على تمكين القضاء وإبعاده عن التجاذبات السياسية، بحيث لا يكون القضاة عرضة لضغوط يمكن أن تضيق الهامش المطلوب من الحرية في أداء الوظيفة.
في المقابل، كان عدوان واضحاً في تأكيده أن «الأمور واضحة لدينا ولدى وزير العدل، ونأمل بأن تكون واضحة أيضاً عند القضاة، نحن لا نستهدف القضاة والقضاء، نحن نسعى ونعمل لكي نعطي معهد القضاء وإدارته ما يريد من أجل أن تخضع مباراتا الدخول والتدرج لأعلى المعايير من أجل الحفاظ على معهد القضاء». كما أكد أنه «سنستكمل الخطوات من أجل أن توضع الأمور في نصابها الحقيقي». وتحدث عن مباراة الدخول في المعهد، مشيراً إلى أنه «في الشفهي هناك إمكانية استنسابية سنسعى من أجل أن تكون المباراة خطية فقط ولا يذهب إلى «الشفهي» إلا من نجح في «الخطي»، أو إلغاء الشفهي وهذا رأي جاء من هيئة التشريع والاستشارات». وطلب من كل من تدخل أو أصدر بيانات أن يتفهم الموضوع وأن «لا نخلط بين معهد القضاء وبين المجلس الأعلى للقضاء وبين الصفات لديهما، ونحن حريصون على القضاة نريد أن نحصّنهم ونحصّن معهد القضاء من تدخل أستطيع القول من بعض القضاة فهم معنيون أحياناً بأولادهم أو بأولاد غيرهم، لأن معهد القضاء يجب أن يبقى بعيداً كلياً عن هذه التدخلات إن كانت سياسية أو قضائية لأنه في غير محلها».

مجلس القضاء: عدوان ألقى الاتهام على عواهنه

يوضح مجلس القضاء الأعلى في الكتاب الموجه إلى وزير العدل، ويرد فيه على النائب جورج عدوان، أنه ليس في القانون أو الأنظمة التي تحكم عمل معهد الدروس القضائية أيّ نصٍّ يفرض إخراج القاضي المتدرّج من معهد القضاء لعدم نيله في إحدى سني التدرّج المعدّل المذكور (12/20)، هذا فضلاً عن أنّه ليس ثمّة سابقة واحدة مشابهة.
وأوضح المجلس أن مجلس إدارة معهد الدروس القضائية (الذي يرأسه رئيس مجلس القضاء الأعلى ويشغل عضويته مدير عام وزارة العدل ورئيس معهد الدروس القضائية ومدير المعهد وقاضيان اثنان) وبعد أن تبيّن له أن تسعة قضاة متدرجين (في السنة الأولى – الدورة الثانية- قسم القضاء العدلي من بين المعيّنين بموجب المرسوم رقم 4511/2016) لم ينالوا معدّل 12/20، ارتأى، بالإجماع، بعد المداولة، في جلسته المنعقدة في تاريخ 22/5/2018، أن يخضع هؤلاء القضاة المتدرّجون لدورة استلحاقية في أربع مواد نظرية. وقد صدّق مجلس القضاء الأعلى على هذا التوجّه في جلسته المنعقدة في تاريخ 19/9/2018، وعلى هذا الأساس خضع هؤلاء القضاة المتدرّجون التسعة لتلك الدورة الاستلحاقية وأنهوها (كان عدد المتقدمين).
وأكد المجلس أن «هذا التدبير الذي استنسبه هو الذي يتطابق مع القانون والأنظمة والعرف المستقرّ عليه (باعتبار أنّ من يمدّد تدرّجه عند نهاية سنيه الثلاث في المعهد تبعاً لتقصيره في الامتحانات النظرية من باب أولى أن يخضع فقط لدورة استلحاقية عند عدم نيله معدّل 12/20 بنهاية السنة الأولى من سني تدرّجه في المعهد)، فلا شائبة فيه، ولم يكن تدبيراً لتنجية أحدٍ من الإخراج من المعهد، فهذه المسألة غير مفروضة قانوناً. وأوضح «أنّها المرّة الأولى في تاريخ المعهد الذي يحدث فيه هذا الإجراء، إذْ جرت العادة على ترفيع جميع القضاة المتدرجين من سنةٍ إلى سنة بمعزلٍ عن المعدّل بانتظار انتهاء السنوات الثلاث، وأنّ المرجعين المذكورين استنسبا موضوعياً هذا التدبير بغضّ النظر عن هوية أو شخص أيٍّ من هؤلاء القضاة المتدرجين التسعة الذين تناولهم».
أما في شأن وجوب استنكاف فهد عن ترؤّس مجلس إدارة معهد الدروس القضائية أو مجلس القضاء الأعلى بمعرض تصدّيهما للمسألة المتعلّقة بوضع أولئك المتدرجين التسعة، ومن بينهم ابن القاضي فهد، فأشار المجلس إلى أنه ليس ثمّة أساس قانوني يفرض أو حتى يبرّر الاستنكاف فكلّ من هذين المرجعين يمثّل هيئةً إدارية غير قضائية ويخضع من ثَمَّ للأحكام التي تخضع لها الهيئات الإدارية، ومن المعلوم أنّه ليس هناك ما يوجب على القائم بمهمّة إدارية التنحّي عن ممارستها بسبب صلة قربى تربطه بأحد الذين يتناولهم القرار الإداري المزمع اتخاذه، وهذا ما استقرّ عليه اجتهاد الهيئة العامّة لمحكمة التمييز والمجلس الدستوري انطلاقاً من أنّ حُرمة القضاء لا تسمح بأن تكون الهيئات القضائية العليا ورئيس السلطة القضائية موضع تحفّظ أو ريبة، فضلاً عن عدم جواز تطبيق الأحكام المتعلّقة بحالات تنحّي القاضي المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات المدنية لأنّها تتعلّق بالمهام القضائية دون سواها.
أما في شأن قول عدوان إن فهد ترأّس لجان مباراة الدخول إلى معهد الدروس القضائية على رغم كون ابنه أحد المتبارين الخاضعين لها، فأشار المجلس إلى أنه بخلاف ما قال عدوان، «من المعروف أنّ القانون ونظام المباراة يحول دون اشتراك القاضي في أيّ من لجانها إذا نهض مانع قربى بينه وبين متبارٍ مشترك فيها، وهذا ما جرى التقيّد به قبلاً ويُعمل به دوماً، وهذا ما تُبيِّنهُ محاضر لجان مباراة الدخول إلى المعهد –قسم القضاء العدلي للعام 2016 التي اشتركَ فيها أولاد ثلاثة لقضاة في مجلس القضاء الأعلى، وهي المحاضر التي تثبت عدم اشتراك القضاة جان فهد وطنوس مشلب وغسان فوّاز لسبب مانع القربى المذكور على رغم كونهم أعضاء في مجلس القضاء الأعلى، وتثبت أيضاً أن اللجنة التي أشرفت على المباراة كانت برئاسة النائب العام التمييزي نائب رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سمير حمود وليس برئاسة القاضي جان فهد للسبب المانع عينه.
أما في شأن حصول أحد أبناء القضاة على علامة 17 من عشرين علامة في الشفهي في مباراة الدخول الأخيرة إلى المعهد، فاكتفى المجلس بالإشارة إلى أنه لا يوجد أن كلّ مادة من مادتي المسابقة الشفهية هي على عشر علامات وليس على عشرين، ومن المستحيل بالتالي أن ينال أيٌّ من المتبارين علامتي 17 و 17 على الامتحان الشفهي؟
وعليه، فقد خلص المجلس إلى أنه «كان يقتضي التروّي والتأكّد من صحّة المعلومة التي جرى تزويد سعادة النائب بها والتبصّر في الخلفيات وفي أثر هذا الاتهام قبل إلقائه على عواهنه، معتبراً أنه لو تيسر لعدوان المعطى الصحيح في القضايا التي طرحها، لكان وفّر على الشعب اللبناني أن يدخل في حالة التشكيك التي ولّدتها مداخلته تلك التي اعتبر فيها أنّ «... في مشكلة بالقضاء... القضاء منو ماشي الحال فيه... لأنه في قضاة كتير مش مناح».