تتعامل القوى السياسية مع الحكومة العتيدة على أنها حكومة السنوات الأربع المقبلة. وعلى هذا الأساس، يريد كل طرف أن يحجز مقعداً له على طاولة مجلس الوزراء. إلا أن لكل قوة سياسية حساباتها الخاصة في المشاركة في الحكومة، وفي اغتنام الفرصة الحالية لتفرض إيقاعها السياسي.

قد تكون تجربة حزب الله الحكومية الأكثر تمايزاً بين القوى السياسية الأخرى، ولا سيما تلك المستمرة منذ التسعينيات. فالحزب الذي لم يشارك في حكومات ما بعد الطائف، دخل تدريجاً الى الحكومات اللاحقة، وكرّس بعد عام 2005 وجوده «السياسي» في قلب المعادلة الحكومية، من دون أن يضع شروطاً على الوزارات التي يريدها. ولم تكن مشاركته ــــ اسماً أو حقيبة ــــ تطرح أي مشكلة مع القوى الأخرى، طالما أن سقف التمثيل الشيعي مضبوط الإيقاع، وأن ما يريده من الحكم حاصل عليه، وهو الغارق أولاً في صراع مع إسرائيل، وثانياً في أزمات سوريا والمنطقة. لذا كان الإصرار على وزارة الصحة حالياً هو الاستثناء وليس القاعدة، لأن الحزب ــــ بغض النظر عن الاعتبارات الأميركية أو العقوبات وقد خبر القفز فوقها في مرات سابقة ــــ بدأ يستشعر الحاجة الى وزارة بهذا الحجم، وضرورة أن يضيف الى رصيده السياسي رصيداً من نوع آخر.
تجربة القوات اللبنانية الحكومية تختلف أيضاً عن القوى السياسية الأخرى، وليس بالضرورة أن تكون النظرة إليها إيجابية بالمطلق. فتجربة القوات الحكومية بعد الطائف وما نتج منها تختلف بطبيعة الحال عنها ما بعد عام 2005، وصولاً الى مقاطعتها، ومن ثم الدخول بقوة إليها بعد التسوية الرئاسية. ولم يكن لمشاركة القوات في حكومات ما بعد 2005 ثقل بالمعنى الفعلي أبعد من الحضور السياسي وتحوّلها من طرف مبعَد الى مشارك في اللعبة السياسية. وثمة ملاحظات على الأداء والشكل والأسماء، لم تصب في تعزيز حضور القوات، الى أن كان قرار المقاطعة لحكومة الرئيس تمام سلام عام 2014.
يمكن البناء على هذه المقاطعة، وتقويم نتائجها الإيجابية والسلبية، إضافة الى تغير المعطيات السياسية وحصول تفاهم معراب، ومن ثم التسوية الرئاسية مع العماد ميشال عون، في تدرج قرار القوات وحسمه في اتجاه المشاركة في حكومة العهد الأولى التي أشرفت على الانتخابات النيابية. لكن المشاركة في حكومة العهد الثانية تختلف ظروفاً وحيثيات.
لم يكن قرار الدخول الى الحكومة يحتاج الى كثير من الدرس لأن المشاركة كانت حتمية، ولم تكن ثمة أسباب موجبة للتفكير بغير ذلك. لكن الانتخابات النيابية وما أنتجته الخلافات المتصاعدة مع التيار الوطني الحر، ولعبة الحصص والأحجام، طرحت أسئلة حول إيجابية الدخول الى الحكومة أو الخروج منها. إذ كلما طالت المفاوضات وكثرت العقد، بات من الصعب الاقتناع ــــ أقله لدى القوات ــــ بأنه ليس هناك من يريد أن يدفع في اتجاه خروجها من الحكومة. وفي حين أن هناك من استشعر رغبتها في إخراج نفسها في مرحلة دقيقة إقليمياً وخطرة اقتصادياً داخلياً، كانت قوى سياسية تلفت الى أن انتقالها الى المعارضة في مرحلة الانهيار الاقتصادي والخلافات السياسية داخل أروقة الحكم، والتضعضع في صفوف التيار الوطني الحر، يضاعف من رصيدها في الشارع المسيحي. وإذا كانت نتائج الانتخابات النيابية قد رفعت من رصيدها الى هذا الحد خلال السنوات الفائتة، فإن الانتخابات المقبلة ستفوق بنتائجها ودلالاتها نتائج عام 2018.
في الأسابيع الأخيرة، ومع تعقد المفاوضات وتعثرها، باتت القوات في عين العاصفة: هل تفرض شروطاً ومعايير لا يمكن أن يقبلها أي طرف فتنسحب من الحكومة، أو تبقى فيها مهما كان الثمن؟ وأيهما أهم: الدخول السياسي الى الحكومة كي لا تتكرر تجربة المقاطعة، ولو بحقائب «باهتة» أم تحصيل مكاسب وحقائب وازنة؟

البقاء خارج الحكومة ينقل الاختلاف مع التيار الوطني الحر إلى خلاف مع العهد


تتعامل القوات مع المشاركة الحكومية وفق مستويين: مستوى المشاركة الوطنية العامة، ومستوى الحقائب. في المستوى الأول، ترى أن «الدخول الى الحكومة ضروري لتكون شريكاً سياسياً في القرار السياسي ولتحقيق توازن داخل مجلس الوزراء في القضايا الداخلية والإقليمية، أي للمحافظة على الدستور والاستقرار الداخلي ولتأمين حياد لبنان وعدم زجه في صراعات المنطقة، ورفض العلاقة مع النظام السوري وتحقيق توازن مع حزب الله من دون الدخول في معركة كسر الآخر، بل الاتفاق حيث تقتضي الحاجة والاختلاف حين يصبح الاستقرار في خطر».
من هنا، جزم قواتي بأن القوات ستدخل الحكومة لأن البقاء كمعارضة خارجها يعني مخاطر عدة، أولها «نقل الاختلاف مع التيار الوطني الحر الى خلاف مع العهد، وهو ما لا تريده. والنقطة الثانية: هل الهدف من المعارضة إسقاط الحكومة ولماذا؟ هل المطلوب العودة الى سيناريو 8 و14 آذار وهو غير متوافر حالياً لأن ظروف 2000 ـــــ 2005 لم تعد قائمة، ولماذا تريد القوات أن تضرب، بتحولها الى معارضة، شبكة علاقاتها التي بنتها في السنوات الأخيرة ورفعت من إيجابياتها مع الأفرقاء السياسيين؟».
ولأنها لا تريد أن تبقى خارج منظومة الحكومة، التي تعتبر أن التيار يريدها محطة رئاسية، انتقلت القوات الى المستوى العملي الثاني، من دون الفصل بينهما، أي الحقائب والمشاركة في عملية الإصلاح الداخلية. هنا دخل الصراع الفعلي أزمته الحقيقية، لأن القوات حين اعتبرت أنها مستهدفة لإخراجها، ومنعها من الحصول على حقيبة سيادية أو نصف سيادية، رفضت «التقليل من دورها وأهمية نتائجها النيابية»، كما رفضت البقاء خارج حكومة وحدة وطنية سيدخلها الجميع. لذا كان التمسك بنيابة الرئاسة وأربعة وزراء. ما عدا ذلك، أصبح معروفاً. لكن بغض النظر عما ستؤول إليه نتائج المفاوضات الحكومية، فإن القوات تريد أن تكرس من الآن وصاعداً حجمها ودورها في الحكومة وفي التمثيل، وفي اختيار ممثليها، ما دامت تعتبر أن تجربتها الوزارية الحالية ناجحة بمعايير التمثيل والمشاركة السياسية. وهي تريد المزاوجة بين وزراء تكنوقراط وسياسيين. في نهاية المطاف، ولو أن فريقاً متخصصاً يقف خلف الوزراء، فإن الحاجة ملحة إلى حضور سياسي فاعل في حكومة، بدأت المشاكل تدبّ فيها قبل أن تتألف.