«يوماً ما قال تشرشل حيثما أكون أنا جالساً يكون رأس الطاولة»، بهذا القول أنهى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع مؤتمره الذي أعلن فيه مشاركة القوات في الحكومة. ويبدو أن الأقوال اختلطت على «الحكيم» المرتبك، فنسب إلى تشرشل قولاً لم يقله. لكن في المقابل، ثمّة طرفة قيلت عن تشرشل تلائم وضع جعجع بامتياز. تَنسب هذه «النكتة» إلى الكاتب الساخر جورج برنارد شو أنه أرسل إلى تشرشل بطاقتين لحضور إحدى مسرحياته، مع ملاحظة تقول: «أُرسل لك بطاقتين لحضور مسرحيتي، أحضر معك صديقاً... إذا كان لديك واحد». وضع تشرشل يشبه فعلياً وضع سمير جعجع اليوم: بلا أصدقاء... ولو أن ظروف الرجلين لا تتشابه مطلقاً.

منذ بداية المفاوضات حول تأليف الحكومة، راهن جعجع، بـ«ذكائه الاستراتيجي»، على الرافعة الإقليمية وعلى السعودية في شكل خاص. وغاب عن زعيم معراب أنه يستحيل الاتكال على أي جهة إقليمية مهما بلغت قوتها وتأثيرها من دون شريك داخلي، والأمثلة هنا كثيرة: فحزب الله وعلى رغم كل قوته الداخلية والإقليمية كان بحاجة إلى شريك محلي اسمه ميشال عون في العام 2006 وإلى عون ووليد جنبلاط في العام 2009، وإلى شريك دائم اسمه نبيه بري. في المقابل، تسلح التيار الوطني الحر بقوة حزب الله ومساندته لدخول الحكومة في العام 2008. وفي العام 2005، احتاج رئيس الحكومة سعد الحريري إلى دعم جعجع وجنبلاط السياسي على رغم كل الظروف الدولية والإقليمية المساندة له. وحده حزب القوات ظن أن باستطاعته فرض مطالبه عبر سطوة الشريك السعودي على رئيس الحكومة، فكان قوله الشهير خلال مقابلته مع جريدة الجمهورية: «القديس شربل وحده يستحق أن نتنازل له، أمّا الآخرون فليسمحوا لنا»، مشدداً على تمسّكِه بـ«حصة وزارية وازنة تعادل خمسة وزراء على الأقل لأنني لا أستطيع أن أعبثَ بأرقام الانتخابات أو أن أخذل الإرادة الشعبية التي منحتنا الثقة». ليعود ويعوّل يوم أمس على ضعف ذاكرة الإرادة الشعبية إياها بإعلانه دخول الحكومة بثلاثة وزراء ونائب رئيس حكومة حرصاً على «الإرادة الشعبية». ولا أحد يعرف فعلياً لماذا تسبب جعجع في تأخير تشكيل الحكومة لمدة 5 أشهر إذا كان سيقبل أخيراً بأقل مما عرض عليه في البداية؟ الجواب القواتي هنا صدى لكلام «الحكيم»: «كانت النية إحراجنا لإخراجنا، لذلك لن نقدم لهم هدية مجانية». من تقصدون بالـ«هم»؟ «هم يعرفون أنفسهم». ولكن كيف لمن كان يمسك بحقيبة وازنة كالصحة يوم كان يتمثل بسبعة نواب أن يرضى بعدد الحقائب نفسها ووزن أقل (الشؤون الاجتماعية والثقافة والعمل) عندما زاد ربحه النيابي إلى 15 نائباً؟ «مجدداً لن نرضخ لمساعي إخراجنا مهما كانت الحصة والعدد».

القوات في الدرك الأسفل
هكذا، انحدرت طموحات القوات تدريجياً، من ست حقائب «كما جرى الاتفاق عليه مع التيار الوطني الحر» إلى خمس حقائب وزارية بينها واحدة سيادية، إلى أربع حقائب وازنة تعادل الاستغناء عن واحدة سيادية إلى أربع حقائب من ضمنها حقيبة العدل. إلى قول جعجع «يضحك كثيراً من يضحك أخيراً، وحالما الانتهاء من تأليف الحكومة نحن مستعدون للقيام بمقارنة بين ما كنا نطرحه وما كان يطرحه الآخرون وما أنجز وما تحقق منه». ليتبين أن المقارنة بين ما تحقق من طروحات القوات وطروحات الباقين، يسقط القوات إلى الدرك الأسفل بل أكثر بعد. فمنذ نحو شهر، قال جعجع: «من غير الوارد لدينا على الإطلاق أن نقبل بثلاثة وزراء فقط كما يطرح (الوزير جبران) باسيل، لأنّ هذه النسبة تفتقر إلى أيّ منطق أو أساس». إلا أن ما حصل عليه اليوم هو ما طرحه باسيل بالضبط أي ثلاث حقائب وزارية ونائب رئيس حكومة هو بمثابة منصب شرفي من دون أي صلاحيات. وفي هذا السياق، يقول مقربون من رئيس التيار الوطني الحر إن «مبرر نفخ القوات انتهى عندما تم الاتفاق بين الرئيس عون والحريري، ومع ذلك حرص الرئيس على نيل القوات تمثيلاً مشرفاً في الحكومة الأولى». غير أن القوات أثبتت «قلة وفائها عبر هجوم مركز على وزراء التيار فيما لم نرها يوماً توجه سهامها إلى أي وزراء آخرين ويصعب الوقوع على تصريح واحد لقواتي ينتقد فيه أمراً في وزارة ما سوى الوزارات التي نشغلها». وذلك لا أي شيء آخر «هو ما أدى إلى انهيار اتفاق معراب بعدما تأكد المشككون أن سمير جعجع هو هو ولن تزيده السنوات إلا غدراً».

الرهان الخاطئ
بعيداً من الصراع العوني القواتي، لفشل القوات أسباب أخرى. كان واضحاً منذ اليوم الأول لبدء المفاوضات الحكومية في شكل جدّي أن لكل فريق الفيتو الخاص به في ما خصّ الحقائب: تمسك حزب الله بالصحة وحركة أمل بالمالية فيما وضع الحريري وزارتي الداخلية والاتصالات خارج نطاق البحث ومثله فعل التيار الوطني الحر بحقيبتي الخارجية والطاقة، والحزب الاشتراكي بوزارة التربية. أما تيار المردة، فضمن لنفسه وزارة الأشغال العامة بدعم مطلق من حزب الله. هكذا حسمت هذه الحقائب لهؤلاء تلقائياً وبدأ البحث في طريقة توزيع بقية الحقائب الخدماتية، فيما تسبب ضياع القوات وانشغال رئيسها بالمكابرة والمعاندة بعدم حجزها لأي حقيبة وعدم إيجادها أي حليف كحزب الله يضمن لها حقيبة سيادية ولو أنها لا تستحقها. مجدداً إنه «الذكاء الاستراتيجي» الذي حال دون الحصول على حقيبة سيادية أو أساسية، ودون استغلال جعجع لـ«الكيمياء» بينه وبين رئيس مجلس النواب نبيه بري لضمان واحدة. من جهة أخرى، خاض رئيس حزب القوات معركته الحكومية من دون رأي عام بعد أن حصر صراعه بالتيار الوطني الحر وحقائبه، فيما كان سيجد التيار أول الداعمين له في معركة على وزارة الأشغال مثلاً التي نالها المردة بثلاثة وزراء فقط. أو لو أنه طالب بالحفاظ على وزارة الصحة أسوة بحفاظ الأحزاب على كل حقائبها السابقة أو لو رفع الصوت لنيل حقيبة التربية. لكن الواضح أن جعجع كان يبني الاصطفافات بوجهه بنفسه، ويذهب بحزبه ونتائج الانتخابات النيابية إلى الهاوية. كان يمكن فعلياً لـ«الحكيم» أن يسبق التيار الوطني الحر إلى شعاره «لكل أربعة نواب وزارة»، ويركض أمامه لتثبيت حصة رئيس الجمهورية، فينال ما أراده وأكثر ويضمن لحزبه حصة وزارية «دسمة» كما كان يتمنى.

انحدرت طموحات القوات من ست إلى خمس إلى أربع لتصل إلى ثلاث حقائب وزارية

لكن «الحقد» القواتي على التيار معطوفاً على مسعى إفشال العهد أطاحا بذلك.
غالباً ما تقع القوات في الحفرة نفسها: الرهان الخاطئ أو إساءة التقدير. من «فتح طريق المطار وفتح بيّ بيّو»، إلى الدفاع عن «غزوة الأشرفية» إلى الغزل بجبهة النصرة وقبلها أحمد الأسير إلى التواطؤ مع السعودية ضد رئيس الحكومة وعون ثم الرهان عليها للتمثل في الحكومة. وهنا لم يكن يوماً الرهان على الأداء الوزاري أو النيابي بعكس ما يركز عليه خطاب جعجع وإلا لكان باستطاعته فرض نفسه بنفسه من دون الحاجة إلى خوض معارك دونكيشوتية. فالانشغال بالمعارك الجانبية وأبرزها الوقوف «على مفرق» وزير الطاقة العوني سيزار أبي خليل حالا دون ذلك. فأداء وزراء القوات اختصره وزير الصحة غسان حاصباني بإضعافه المستشفيات الحكومية والتوظيفات الحزبية في الأقضية وبدعم بعض مدراء المستشفيات الفاسدين وجماعتهم وبالتلاعب بحياة مرضى السرطان وغيره الكثير... ويبدو أن سمير جعجع لم يصدق يوم أمس سوى بقول واحد: «ليس هناك وزارات حقيرة، هناك أناس حقيرون».