لا ينتظر أحد من سمير جعجع أن يكون مثقفاً، وأن تأتي خطاباته ومداخلاته انعكاساً لهذه الثقافة، وتجسيداً لها. فالرجل الذي يحمل لقب «الحكيم» لعبوره سنوات قليلة في كليّة الطب التابعة لـ«الجامعة الأميركيّة في بيروت»، بنى مجده كقائد ميليشيا قبل كل شيء. ثم شهرته «إنجازاته الحربيّة» التي يعرفها اللبنانيون جيّداً، من مجزرة إهدن إلى حرب الجبل. وأخيراً طاب له أن يقدّم نفسه كنسخة عبثيّة من نلسون منديلا، بطل تحرّر أفريقيا الجنوبيّة. نسخة مقلوبة طبعاً: نسخة انعزاليّة، هي عكس كل ما جسّده «ماديبا» عبر نضاله الطويل! لكن ما يمكن أن نطلبه، بالحدّ الأدنى، من زعيم سياسي على رأس تكتّل برلماني «وازن» يحمل اسم «الجمهوريّة القويّة»، هو احترام الرأي العام، وعدم الاستخفاف به أو استغبائه. للأسف هذا ما فعله «الحكيم» أمس في مؤتمره الصحافي، إذ «رصّع» مداخلته، بحكم واستشهادات، غير صحيحة، وغير دقيقة. حكم مستقاة من «ثقافة سمعيّة» لم تقرب النص يوماً، كأنّ الرجل المعجب بتيار دو شاردان، بنى ثقافته من وريقات متساقطة من روزنامة أيام زمان، تلك التي كانت مزدانة بالأقوال المأثورة ووصفات الطبخ، شأنه في ذلك شأن «دكتور كنوك» بطل جول رومان الشهير الذي صار طبيباً، عن طريق قراءة الارشادات الملازمة لعلب الدواء!

كمثل غراب لافونتين الذي أراد أن يفطر على بقرة حين كان ظلّه مديداً، ثم أخذ ظلّه يتقلّص مع نزول الشمس حتى بات يقبل بصرصور، إشتغل جعجع في مؤتمره الصحافي المكابر الذي زيّن فيه استسلامه السياسي، على تحويل هزيمته إلى نصر… إلى هنا لا بأس، تلك هي «حقارة» السياسة بمعناها الأضيق. كنا لنتقبّل الموقف، ونكتفي بتعزية نفسنا بزوال عقدة كبرى أمام تشكيل الحكومة! لكن المشكلة مع «الحكيم» تبدأ، حين يحاول أن يستعمل الثقافة بخفّة واستخفاف، كزخرفة سطحيّة لمرافعته الاستعطافيّة. لقد شاء أن يتوّج مؤتمره أمس، بذروة «ثقافيّة»، هو الذي يتهيّأ لاستلام جعبة «الثقافة» (علماً أنّه يعتبرها قصاصاً. كان يفضّل الدفاع مثلاً؟)، وقد أوكل بها إلى احدى اتباع مانديلا المشهورات. لقد تكرّم علينا باستشهادين، لـ«ضرورات البحث» كما قال (ترى ماذا يقصد هنا بضرورات البحث؟). تمخّض عن حكمتين «الأولى فرنسية والثانية انكليزيّة». لكن من المؤسف أنّه لم يوفّق على الاطلاق، لا في هذه ولا في تلك، فجاءت احداهما تبارز الأخرى في قلّة الدقّة، وضحالة الاستيعاب.
بعد «مانديلا» هل أخذ الحكيم يتخيّل نفسه في عباءة «تشرشل»؟ تشرشل؟ الرجل قهر النازيين يا «حكيم»! ختم ونستون جعجع مداخلته بقول مأثور «لتشرشل»: «حيث أجلس يكون رأس الطاولة». قويّة حكيم! هذا القول قد يكون منسوباً إلى الرجل الضخم ذي السيجار، وفي تلك الحالة يكون استعاره من الصحافي الأميركي الساخر هنري لويس منكن (1880-1956). Wherever I sit is the head of the table. مستشاروك يصدقون كل ما يشاهدونه في الافلام الهوليوديّة؟ هذا خطير! هل قلت إن «القوات» ستدير «وزارة الثقافة»؟
ثم جاء دور المثل الفرنسي الصاعق: «لا أعمال حقيرة بل اشخاص حقيرون»! يا رجل من أين أتيت بهذا المثل؟ والأنكى من ذلك، أن وزيرة ثقافتنا المقبلة، ميلينا ميركوري شدياق، أعادت نشره بالفرنسية على تويتر، بركاكة وأخطاء لغويّة. المثل الفرنسي يقول: Il n’est point de sot métier, il n’y a que de sottes gens. أولاً sot معناها أحمق لا حقير. ثانياً métier هنا لا تعني مهنة، ولا عمل، بل «النول» أو آلة الحياكة، وهي بصيغة المفرد في المثل الفرنسي الذي يقول: «الأحمق ليس النول، بل الذين يسيئون استعماله». أو «ليس هناك آلة حياكة حمقاء، هناك أناس حمقى». ويمكن أن نطبق المثل على الواقع اللبناني فنقول: ليست السياسة هي السيئة، بل رجال السياسة هم السيئون!
يضحك علينا الحكيم في السياسة. أمرنا لله. «سياديّة» تعانق «النصرة»، وتستكين إلى السعوديّة، وتعمل في خدمة الاستعمار. ماشي. هذا هو «النأي بالنفس» حسب مار سمير. أما أن يأتي فوق كل ذلك، ويزيد في الطين بلّة، ويدلق علينا أقواله المعلّبة، وثقافته الخنفشاريّة… فالله ما قالها! شو بدك بالأجنبي يا «حكيم»؟