منذ أن صيغت التسوية الرئاسية، وعاد الرئيس سعد الحريري إلى بيروت رئيساً للحكومة، انسحب الضغط الكلامي من جانب القوى المنضوية تحت سقف التسوية، ضد حزب الله من الواجهة السياسية والإعلامية. ومنذ أشهر طويلة لم يعد الكلام عن سلاح حزب الله ولا عن دوره في سوريا ولا عن حضور الحزب في القضايا الإقليمية متقدماً في النقاش السياسي. في المقابل، ظلت قلة سياسية معدودة، من خارج الحكم تجهر بخصومتها للحزب، وتعبّر عن رأيها صراحة بعدائها له.

لكن تعامل حزب الله مع تشكيل الحكومة، في الشكل الذي تبلور في الأيام الأخيرة، أعاد تسليط الضوء على موقع الحزب اليوم في المعادلة المحلية وما يقبل عليه الوضع الحكومي، والداخلي عموماً، انطلاقاً من أداء الحزب تجاه العقد الحكومية، وصولاً إلى إصراره على تمثيل سنّة قوى 8 آذار في الحكومة.
فمع تطور موقف حزب الله، إلى إعلان رسمي ومن دون مواربة عن ضرورة تمثيل الكتلة السنية النيابية، كان الحزب بحسب سياسيين من غير المعارضين المعروفين للحزب، يشهر آخر أسلحته بتطويق الحريري وبانتزاع الورقة الأخيرة من مشروع 14 آذار وإنهائه بطريقة تدريجية. فالحكومة المفترضة ستكون نقيضة تماماً لمرحلة كان فيها لشخصيات من الحزبيين والمستقلين، كمعارضين لحزب الله، حضورهم الوزاري والسياسي.
نجح حزب الله في فرض إيقاعه الحكومي في السنوات الماضية، وكرس حلفاؤه أخيراً في الانتخابات النيابية تقدماً في الشارع السُّني المعارض للحريري، فكانت خطوته الأولى على طريق تثبيت مساره في ظل العهد المتحالف معه، لتأتي الخطوة الثانية من خلال الحكومة، وتحت رئاسة الحريري نفسه.
لا تشبه مقاربة الحزب اليوم للحكومة الحالية ما جرى قبل تشكيل حكومة الحريري الأولى، التي تختلف بظروفها وبطبيعة المرحلة. اليوم يتقدم حزب الله مرتاحا أكثر لدوره، ولما يحققه، ولا سيما إقليمياً، وداخلياً، في ظل استناده إلى واقع اطمئنانه إلى حليف قوي، كما هي حاله مع العهد. من هنا جاء استثمار الحزب تصاعدياً في الحكومة. إذ ليس تفصيلاً أن يتفرج على العقد الحكومية، فلا يتدخل لفكها، تاركاً أمر معالجتها لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والتيار الوطني الحر. وبخلاف ما كان منتظراً، لم يقارب مناقشة توزع الحقائب لدى القوى السياسية الأخرى، إلا عندما تعلق الأمر بالمسّ بوزارة الصحة، بعدما حسم أمره بتوليها. ما عدا هذه الثابتة، ترك الحزب أمر المفاوضات الأخرى للمعنيين. وكان كل من يلتقى المفوضين الرسميين من جانبه، ينقل إيجابية مطلقة وارتياحاً في التعامل مع الوضع الحكومي، لناحيتين، إن الحكومة ستتشكل، وإن حصته محفوظة ولا مساس فيها كما حصص حلفائه. وبهذا المعنى فإنه لن يتخلى عن حلفائه السُّنة، وإن العقدة السُّنية ستحل، ولكن ليس على حساب سُنّة 8 آذار.

حكومة العهد الأولى لم تكن سوى الممر إلى حكومة «لَمّ شمل» قوى 8 آذار وحلفائها


تحت هذا السقف، رسم الحزب قراره، واستقطب الآخرين إلى ملعبه. إذ اشترط الحصول على وزارة الصحة، فقبلت القوات اللبنانية التخلي عنها، كما قَبل الحزب التقدمي الاشتراكي أيضاً. والحزب رفض إعطاء حقيبة الدفاع للقوات، على ما يصرّ التيار الوطني الحر على القول، فكان له ما أراد. كما أصر في الوقت نفسه على إعطاء الأشغال لحليفه تيار المردة. ومع تطور المفاوضات الضاغطة أخيراً في اتجاه التأليف، وفيما كانت الأنظار تتوجه إلى القوات لحسم موقفها بعدما أُعطيت ما بقي من حقائب، أعلنت مشاركتها، بأي ثمن، فأعطت للحزب دافعاً إضافياً كي يتمسك بموقفه من توزير سُنّة 8 آذار. والحزب كما ينقل أكثر من طرف، واثق بأنّ الحريري سيقبل في نهاية المطاف حلاً مهما كان شكله. لأن اعتذاره الذي يلوّح به، لن ينعكس على الحزب، بل عليه لاعتبارات مالية واقتصادية وسياسية، عبّر عنها بنفسه مراراً في الأيام الأخيرة. فأن يقبل الحريري الجلوس إلى طاولة واحدة مع سُنّة 8 آذار بما يمثلونه سياسياً، ولو من غير حصته الوزارية هو في نهاية المطاف، يعني اعترافه بهم وتسليمه بحيثيتهم الشعبية والسياسية. ما عدا ذلك شكليات.
ما يجري لا يشبه حتى التسوية الرئاسية بمفاعيلها الأولى، لأن حكومة فيها الحريري والحزب التقدمي الاشتراكي والقوات، كما حال الحكومة الحالية، ظلت في مكان ما تعبّر عن بعض ملامح مرحلة 2005 وما تلاها، وإن بخجل، بعد ما جرى من تسهيلات ومن تدوير زوايا. أما الحكومة المقبلة، بعد إصرار حزب الله على تمثيل معارضي الحريري، وبعد ما حصل مع القوات من خفض سقوفها العالية في التمثيل والحقائب ووضع شروط التوزير عليها، فهي حكومة تصفية تركة 14 آذار التي خلقتها مرحلة عام 2005. كل المشهد السياسي يتغير. فحكومة العهد الأولى لم تكن سوى الممر إلى حكومة ثانية بطابع مختلف: حكومة أقرب إلى لمّ شمل قوى 8 آذار وحلفائها. ما تغير أيضاً، أنّ هذه القوى لم تعد تجد من يواجهها، وأنّ حلفاء مرحلة 2005 باتوا فقط أصحاب شعارات، ما دام الهدف هو البقاء في الحكومة، فقط لا غير.