أقل ما يمكن أن يقال عن لبنان إنّه بلد الغرائب والعجائب! فيما البلد على شفا هاوية، يرزح تحت عبء الأزمات الاقتصاديّة والسياسيّة والبيئيّة، صحا المفتي السابق الدكتور محمد رشيد قباني صباح أمس فجأة، ليحذرنا من الويل والثبور وعظائم الأمور، ولينذر لبنان «بدمار إلهي». ما الخبر؟ أهو الزلزال المرتقب الذي سيريح اللبنانيين من مصائبهم؟ ما الذي انتاب سماحة المفتي، والبلد والشعب يلتقطان أنفاسهما في انتظار حلّ «العقدة السنيّة»، آخر العراقيل أمام ولادة الحكومة العتيدة؟

لقد قرر المرجع الديني الرفيع أن يعلن الحرب على… سهرة شبابيّة، ينظمها أحد نوادي الجامعة الأميركيّة في بيروت، في أجواء «هالوين»! راعه أن تكون الحفلة تنكّريّة، والسهرة «مثليّة للتعرّف إلى شريك». فما كان منه إلا أن وجّه نداء إلى الرئاسات الثلاث، وإلى رئيس الجامعة الأميركيّة، (ولحسن الحظ لم يصل إلى «مجلس الأمن»)، لوقف هذه السهرة التي كان من المزمع اقامتها أمس في أحد ملاهي شارع الحمراء في بيروت، بمبادرة من «نادي الجندرة والجنسانيّة» في الجامعة الأميركيّة. بل طالب سماحته بـ «اغلاق المكان والقبض على رؤوس منظمي السهرة ومعاقبة المسؤول في وزارة الداخلية الذي وافق على الترخيص بإقامة هذه السهرة».
المفتي قبّاني له سوابق في المواقف المعادية للمجتمع المدني والقوانين الوضعيّة. ألم يهدد قبل خمسة أعوام «كلّ المسؤولين المسلمين في السلطة التشريعية والتنفيذية»، بأن من يوافق بينهم «على تشريع الزواج المدني وتقنينه، ولو اختيارياً، هو مرتد وخارج عن دين الإسلام، ولا يُغسل ولا يُكفّن ولا يُصلّى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين» («الأخبار»، 29/ 12/ 2013)؟ هذه المرّة شنّ حرباً كونية على سهرة شبابيّة، كانت ستنظّم بغض النظر عن مسمّياتها، تحت سقف القانون ومع مراعاة قواعد الحياء العام. وطوّب الجهة المنظمة بإسمِ فضائحيِّ هو «النادي الجنسي» ليخلق مزيداً من التشويق، ويسبغ الشرعيّة على حملته المجلجلة. وعلى خطاه سارت «دار الفتوى»، إذ ذكرت بوقوفها «في وجه كل من يخالف التعاليم الدينية والقيم الأخلاقية التي جاءت بها جميع الرسالات السماوية والتي قام على أساسها المجتمع اللبناني في المحافظة على القيم الأخلاقية وطهارة المجتمع من الفساد والتحلل اللا أخلاقي الذي يحاول بعض المفسدين والفاسدين نشره بين الشباب في الجامعات والمؤسسات التربوية الحاضنة لأبنائنا على اختلاف انتماءاتهم التي لا يختلف على قيمها أحد من الطوائف اللبنانية».
وإذا كان من الطبيعي أن تعبّر المؤسسة الدينية عن نظرتها إلى القضايا الاجتماعية، فإن الدراما تتحوّل إلى مهزلة حين يبسط هذا الخطاب هيمنته على الفضاء المدني والقانوني. وتحت هذا الضغط الترهيبي، وفي غياب دولة قانون مستقلة عن وصاية المؤسسة الدينية، بوسعها أن تحمي حريّة الأفراد، لم يكن من «نادي الجندرة والجنسانيّة» Gender and Sexuality Club - AUB إلا أن قرر إلغاء السهرة. هكذا فاز المفتي قباني في الدفاع عما يعتبره «الأخلاق الحميدة». ولعلّه تفوّق هذه المرّة على «جمعيّة العلماء المسلمين» التي اشتهرت في الفترة الأخيرة بمطاردة كل النشاطات الفكرية والثقافيّة والاجتماعيّة التي تدور في فلك المثليّة الجنسيّة، وأحرزت نجاحات منقطعة النظير في فرض خياراتها الايديولوجيّة على مؤسسات دولة القانون.
في تلك الأثناء كان جهاز أمن الدولة يعلن بمزيد من الفخر اعتقاله ريتشارد غ. الملقب بـ «ريتشي»، بتهمة إجراء عمليات وشم في مركز تجميل في منطقة فردان، وختم هذا المركز بالشمع الأحمر. وإذا كانت مهنة الوشم لا تحتاج إلى ترخيص، كما أكّدت مصادر في وزارة الصحّة لمحطات لبنانيّة، فإن بيان أمن الدولة يحدد معالم «الجريمة»: إن المعتقل بموجب اشارة قضائيّة كان «مشتبهاً» بأنّه… يحمل فيروس نقص المناعة المكتسبة HIV! وقد تأكّد ذلك من جرّاء الفحوصات التي أخضع لها. وزاد في الطين بلّة، أنّه «مواطن سوري»! هنا أيضاً يؤكّد حقوقيّون ألا شيء في القانون يمنع المصاب بـ «نقص المناعة المكتسبة» من مزاولة أي مهنة حتّى لو كانت طبيّة. ويسألون: إلى أي مدى يحق لـ «أمن الدولة» أن يكشف الملف الطبي للموقوف؟ وهل انتقل إلى مطاردة المصابين بالإيدز بصفتهم مجرمين خطرين على المجتمع؟ في بلد ضاعت فيه الحدود بين الغيبيات والحريات الفرديّة، بين مملكة الطوائف ودولة القانون، لم يعد أمام هذا الجهاز، سوى التنسيق مع المفتي قبّاني.