«فوعة» إلزام أصحاب المولّدات بتركيب عدّادات للمشتركين خمدت! ليست المرة الأولى التي تستيقظ فيها «الدولة» لإثبات وجودها، ثم ما تلبث أن تخفت حماستها. «فوعات» عدة سابقاً لقيت المصير نفسه. قوانين وقرارات «ملأت الدنيا وشغلت الناس»، لم تمكث في التداول إلا قليلاً، وسرعان ما وُجدت لها «تخريجات» ملائمة لمداراة الصخب الذي أثارته: قانون السير، بحزامه و«طفّاياته» و«مثلّثاته» مثال. قانون منع التدخين في الأماكن العامة مثال آخر. والأمثلة لا تنتهي.

«معركة العدّادات» الأخيرة خيضت بـ«استماتة» تحت عنوان استعادة هيبة الدولة وحماية المواطنين وأموالهم في وجه «مافيا أصحاب المولّدات». تجنّدت لها وزارات الداخلية والطاقة والاقتصاد والعدل. خُصّص «خطّ ساخن» للتبليغ عن المخالفين، وهُدّد هؤلاء بإجراءات صارمة لوّح بها وزير الاقتصاد والتجارة رائد خوري، صاحب «براءة اختراع» هذا القرار... لتنتهي بعد شهر واحد إلى المعادلة الآتية: إذا جمع صاحب المولد تواقيع من المشتركين تفيد بأنهم لا يرغبون في تركيب عدّادات فليكن... شرط أن يكون توقيع هؤلاء من دون ضغط!
هكذا انتهى قرار «إلزامية تركيب العدادات» بـ«عريضة استرحام» يتقدّم بها أصحاب المولدات، و«إذا الناس ما بدها تركّب عدادات ما فينا نجبرها»، بحسب المديرة العامة لوزارة الاقتصاد عليا عباس. على أساس هذه العريضة، بات بإمكان أصحاب المولدات تبرئة ذمتهم بجولة على المشتركين لأخذ تواقيعهم «من دون ضغط» على خانة «لا أرغب» في تركيب العدّاد. أما التلويح بقطع الاشتراك لمن «يرغب» فربما لا يعدّ في عرف الوزارة ضغطاً.
بعد شهر واحد، انتهت «معركة العدّادات»، كما كل «المعارك» اللبنانية، على قاعدة «لا غالب ولا مغلوب»... إلا المواطن. وهذا الأخير، بالمناسبة، مغلوب دائماً. مغلوب عندما يدفع فاتورتَي كهرباء، وعندما يُترك فريسة لأصحاب المولّدات، وحتى عندما تحاول الدولة إنصافه. في قرار إلزامية تركيب العدّاد، مثلاً، يشير تعميم وزارة الاقتصاد الصادر في السابع من الشهر الماضي الى أنه «يحق لصاحب المولّد أن يأخذ تأميناً من المشترك لمرة واحدة فقط قدره 100000 ليرة عن 5 أمبير و175000 عن 10 أمبير، ويضاف 75000 ليرة عن كل 5 أمبير في حال رغب المشترك في زيادة اشتراكه». يتحدث القرار، بوضوح، عن الـ«5 أمبير... وطلوع». ولم يلتفت القيّمون عليه إلى أن مناطق كثيرة، كصبرا مثلاً، «غالبية الناس هنا يشتركون بـ 2,5 أمبير، وهذا ما لم يلحظه التعميم، كما أن أحداً غير قادر على دفع التأمين»، بحسب حيدر بدّاح، صاحب أحد المولدات في المنطقة. بدّاح الذي تلقّى إنذاراً بسبب تأخره في تركيب العدادات سيجمع الكثير من تواقيع المشتركين. أولاً، «لأننا لا نرى الكهرباء إلا 3 ساعات في اليوم، والتسعيرة هنا ثابتة ومتناسبة مع قدرة الشعب الفقير»، وفق مصطفى رباح، أحد السكان هنا. وثانياً، «لأن الناس في صبرا ما قادرين يصرفوا على حالن حتى يركّبوا عدّادات»، كما يقول علي زيّون.

المديرة العامة لـ«الاقتصاد»: إذا لم يرغب المستهلك في تركيب العدّاد لا يمكننا إجباره


تبرّر وزارة الاقتصاد «تخريجة» العودة عن إلزامية تركيب العدّادات بأنه استجابة لـ«ما يطلبه المستهلكون». المستهلكون أنفسهم الذين بحجة حمايتهم فرض هذا القرار. ولكن مع فارق بسيط: إعلان القرار مترافقاً مع تهديدات بالويل والثبور، والانسحاب منه من دون جلبة، ليبقى حبراً على ورق، يُستدعى عند الحاجة: حاجة الدولة الى فرض وجودها الطارئ.