بين اقتراح القانون المعجّل المكرّر المقدّم من وزير الطاقة والمياه سيزار أبي خليل للاجازة للقطاع الخاص بإنشاء معامل لمعالجة النفايات الصلبة وتحويلها الى طاقة كهربائية وبيعها من مؤسسة كهرباء لبنان، واقتراح القانون المعجّل المكرّر من النائب نعمة افرام المطالب بإعفاء البلديات من الديون المتعلقة بادارة النفايات الصلبة التي ترتبت عليها قبل صدور قانون النفايات في ايلول الماضي... توجه خطير لصالح تقاسم الاستثمارات الكبيرة والصغيرة وتشريع الفوضى وتثبيت افلاس الدولة المركزية وانحلالها.

الاقتراح الاول يلغي دور وزارة البيئة، اذ يسمح لوزير الطاقة بمنح التراخيص للمعامل (والمحارق) وسحبها. ويعود الاقتراح الثاني الى قانون النفايات الذي أقرّ مؤخراً، من دون أن ينتظر وضع وزارة البيئة استراتيجية وطنية للنفايات تتضمّن الأدوار المركزية واللامركزية والخيارات التقنية المسموح بها أو الممنوع اعتمادها. فيما وزير البيئة يجاري هذه المقترحات بتضييع الفرص وصلاحيات وزارته، بعدم وضع الاستراتيجية خلال سنتين من ولايته، وبالغاء اول اجتماع لمناقشة وضعها بعدما أقر مجلس النواب بضرورة وجودها خلال 6 اشهر من إقرار قانون النفايات.
يؤشّر ذلك كله إلى أن هناك اتجاهاً لتسريع اتجاهات لامركزية خطيرة، تبدو وكأنها بمثابة اعلان تفليسة مشروع الدولة، أو استباق لاعلان انهيارها، وترك كل منطقة أو «دويلة» تقلّع شوكها بأيد ليست ايديها، كأن تحرق نفاياتها بمعامل ومحطات ليست من صنع يديها بالطبع. وهكذا، سنكون مجدداً أمام مشاريع استثمارية صغيرة في كل منطقة او بلدية، مجموعها يعني صفقات كبيرة. وهذا ليس أكثر من عملية استثمارية في الأزمة: أزمة عدم ايجاد حلول مستدامة لقضية النفايات، وأزمة عدم وصول شخص «مسؤول» الى الوزارات المعنية، لا سيما وزارة البيئة، يعرف معنى اللامركزية البيئية على الأقل.
اللامركزية التي تعني التشاركية والمزيد من الديمقراطية وتسهيل المعاملات الادارية ليست هي نفسها ديمقراطية المشاريع التي تعني انشاء الدويلات على حساب الدولة. فننتقل من إفلاس الدولة المركزية المنهوبة الى فوضى الدويلات اللامركزية المنتحرة. من لا يعرف أن الجدوى البيئية والاقتصادية للمشاريع الانمائية أكبر في المشاريع الكبيرة منها في المشاريع الصغيرة؟ ومن لا يعرف أن النقل في القطار او الحافلات الكبيرة أجدى بيئياً واقتصادياً من السيارات الخاصة، وأن سعر الكيلوات المولد من محطة انتاج طاقة كبيرة أرخص وأقل تلويثاً من مولدات الاحياء، مع ميزة تفاضلية في انتاج الطاقة النظيفة المتجددة. والامر نفسه ينطبق على محطات معالجة النفايات الصلبة والسائلة (المسكوت عن الحاجة الى تجهيزها وتشغيلها). لامركزية معالجة النفايات، لا تعني لامركزية انشاء المحارق، بل تعني خططاً تضمن حسن لامركزية الفرز، مرتبطة بخطط التخفيف المركزية. مما يعني ضرورة وجود استراتيجية تتضمن خططاً متكاملة تحدد الادوار المركزية واللامركزية والمسؤوليات... اضافة الى المواصفات والشروط والاهداف والاولويات.
كما لا معنى للحديث عن لامركزية من دون ربطها ببرامج للإنماء المتكامل (وليس المتوازن على الطريقة الطائفية). فالمناطق التي تنام على خزانات للمياه الجوفية وتزود كل المناطق القريبة بالمياه، لا يفترض أن تكون مراكز لمعالجة النفايات او للصناعات الملوثة. وهي بدورها يمكن أن تستفيد من محطات الطاقة ولو لم تكن فوق أرضها. ومركزية مصادر المياه الجوفية العذبة مثال صارخ على لامنطق ولاجدوى مشاريع الدويلات… وهنا تبرز اهمية أن تكون هناك استراتيجية للتنمية المستدامة تربط بين القطاعات بخطط تكاملية… وهذا ما لا نزال نفتقده في وزارة البيئة، المسؤولة الأولى عن انتاج هذه الخطط.
واذ يعود للسلطة المركزية وضع المعايير العامة والعادلة وخطط الترشيد والتوفير، وتحديد الأدوار اللامركزية والفردية، فإن على البلديات عندئذ أن تضبط العلاقة مع الأفراد بشكل اوثق، بعد أن تكون الخطط قد أخذت في الاعتبار تحميل الفرد جزءاً من مسؤولية الإدارة والمعالجة بسلوكه الشخصي، لا سيما في برامج الفرز او الترشيد والتوفير في الإستهلاك.
بالعودة الى اقتراحات القوانين المعجلة والى قانون النفايات الذي اقر مؤخرا، فإن الأمور تبدو وكأن هناك تسوية حصلت تقوم على تقاسم الحصص بين كبار المستثمرين في استثمارات كبيرة (كالمحارق) في المدن الكبرى، وصغار المستثمرين في استثمارات صغيرة مع البلديات وفي القرى. معادلة تضمن أرباح المستثمرين، بحسب احجامهم، مع شلل الناشطين والجمعيات البيئية التي تدور في فلك كل مستثمر. ولكنها لا تضمن اياً من اهداف التنمية والاقتصاد الدائري، ولا حماية البيئة والصحة العامة!