للحظات تسمّرت عينا عمر على الشرفة عندما رأى الغضب في عيني أخيه بعدما علم أنّه مثليٌّ. عدل عن رمي نفسه آنذاك، لكن الفكرة راودته مراراً كثيرة في ما بعد، خصوصاً عندما «شجّعه» والده قائلاً: «انتحارك يريحني من عارك». كان في الـ 13 حين اكتشف المسؤولون في المدرسة ميوله المثلية. المعالجة النفسية في مدرسة الراهبات التي كان يرتادها، بقيت تزوّد أهله بجرعات من «الأمل» بأنّه سيتغيّر لأنّه لا يزال صغيراً على «الاختيار». في جلسات «العلاج» حاولت إقناعه بالتمييز بين الصواب والخطأ، وحذّرته دائماً من أنّ أحداً لن يتقبّله إن ظلّ مثليّاً. والده، أيضاً، كانت له طريقته في «العلاج»: في سن الـ 15، وبعدما يئس من نجاح محاولات المعالِجة النفسية، سأله بغضب: «بعدك مخنّث؟ بعدك ما تغيّرت؟». وعرض عليه أن يمارس الجنس مع إمرأة مقابل المال!

عمر اليوم في الـ28، يدرس الطبّ في الولايات المتّحدة. يحاول أن ينسى كابوس مراهقته، ومساعدة من يمرّون من أفراد «مجتمع الميم» بتجربة مماثلة من محاولات تغيير الميول الجنسيّة (SOCE). وهي محاولات شائعة في لبنان والعالم. وفي حين انه لا توجد أرقام دقيقة في لبنان، يقدّر أنّ نحو 700 ألف شخص في الولايات المتّحدة، بين الـ 18 والـ 59 عاماً، يتعرّضون لمحاولات تغيير ميولهم الجنسية أو هويّتهم الجندريّة. لن تعود هذه المحاولات مستغربة متى علمنا أنّ 79% من اللبنانيين يعتقدون بأنّ المثليين بحاجة إلى علاج هورموني أو نفسي، و72% يعتقدون بأنّ المثليّة الجنسيّة ناجمة عن اضطراب نفسي، بحسب دراسة أجرتها المؤسسة العربية للحريات والمساواة في 2015.
لا ينسى وسيم عندما تحلّق حوله فيها آباء الرهبنة التي كان منتسباً إليها وأخذوا «يبخّرونه» محاولين طرد الشياطين منه بعدما علموا بمثليّته. «لكنّ شياطيني كانت أقوى»، يقول ساخراً، بعد سنوات كثيرة من الحادثة.
بحسب الطبيب النفساني عمر فتّال فإنّ «محاولات تغيير الميول، بمعناها الواسع، هي أي محاولة لتغيير الميول باستخدام أي وسيلة». وهي، بالتالي، «تشمل المحاولات التي يقوم بها الأهل والمعلّمون أيضاً». بعضهم يستعين بكتب منتشرة، تحت عناوين مثل «كيف تمنع ولدك من أن يصبح مثليّاً».

الأثر النفسي لمحاولة تغيير الميول الجنسية يتدرّج من شعور بالذنب إلى الاكتئاب والانتحار


فتّال، العضو المؤسّس في الجمعية الطبيّة اللبنانيّة للصحة الجنسيّة (LebMASH)، يوضح أنّ محاولات تغيير الميول لا تزال غير واضحة في لبنان لأنّ المثليّة في حدّ ذاتها لا تزال «تابو». لكن تبيّن من حالات استطاعت الجمعيّة مقابلتها أنّ معظم المحاولات ليست إلا وسائل ضغط على الشخص ليجبر نفسه على التغيّر. في هذه الحال، «الأثر النفسي على الشخص كبير، ويتدرّج من شعور بالذنب إلى الاكتئاب وصولاً إلى الانتحار»، خصوصاً حين تأتي هذه الممارسات من شخص له سلطة علميّة (طبيب أو معلّم مثلاً). بعض الحالات التي قابلتها الجمعيّة أقرّ أصحابها بأنّ الطبيب المعالج جعلهم يشعرون بالذنب والخزي، وأحدهم نصحه طبيبه بممارسة الجنس مع عاملة جنس. أمّا وصف الهورمونات للمثلي، مثل «التستوستيرون»، فإن لها مخاطر كبيرة، وفق فتال، خصوصاً على الأشخاص القاصرين. «إذ أن الدراسات لم تظهر أية علاقة بين الميول الجنسيّة والمستويات الهورمونيّة».
أدانت المنظمات العالمية المتخصّصة محاولات تغيير الميول الجنسيّة، ويحظّر ممارستها على القاصرين في 10 ولايات من الولايات المتحدة الأميركيّة. في لبنان، أدانت الجمعية اللبنانية لعلم النفس (LPA) وجمعية الطب النفسي اللبنانيّة (LPS) هذه الممارسات، لكنّها لا تزال تمارَس.

* تطلق الجمعية الطبيّة اللبنانيّة للصحة الجنسيّة (LebMASH) حملة «المثليّة مش مرض» (HINAD)، الـ11 صباح اليوم في فندق «ذا كي بيروت»، في وسط بيروت.