لم يخرج كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله عن المتوقّع. أكد دعم مطلب الحلفاء السنّة التمثّل في الحكومة، «ونقطة على السطر». غيرَ أن السقف الذي وضعه، والرسائل التي أطلقها في اتجاهات عدة، شكّلت صدمة للجميع، حلفاء وخصوماً، لا سيما أن خطابه أتى غداة لقائِه وزير الخارجية جبران باسيل. وهو لقاء وصفته مصادر سياسية رفيعة المستوى بأنه «لم يكُن جيداً». فقد أتى «باسيل لجس النبض بشأن حلّ العقدة، لكنه سمع من نصرلله كلاماً حاسماً بنبرة لا تقل عمّا أعلنه منذ يومين». لا شيء محسوماً قبل الموقف الذي سيُعلنه رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري الثلاثاء. لكن الأكيد أن البلد بعدَ خطاب السيد قد لا يكون كما قبله. والسؤال ماذا سيفعل رئيس تيار المُستقبل؟ وما هي الخيارات المتاحة أمامه؟

حتى غروب يوم أمس، كان الحريري غائباً عن السمع. تجاهَل اتصالات الأصدقاء التي كانت ترِد إليه من لبنان بغية جسّ نبضه. سياسة الصمت نفسها التزمها مستشاروه. حتى نواب كتلة «المستقبل» عُمّم عليهم التزام الصمت، فلم يخرُج منهم من يُدلي بتصريح أو يُعلن في بيان رأي التيار في ما قاله نصرالله. وحدها قناة «المستقبل» تولّت مهمة الهجوم على حزب الله وأمينه العام. وبين الموقف الرسمي والموقف الإعلامي، بقي الخبر الوحيد هو «المؤتمر الصحافي الذي سيعقده الحريري يومَ الثلاثاء، والذي سيعرض خلاله التطورات السياسية ومستجدات تشكيل الحكومة».
حالة من الصدمة يعيشها الحريري. فقد كان اعتقاده في غيرِ مكانه يومَ تصوّر أن حزب الله سيذهب في اللحظة الأخيرة الى تسوية حكومية على حساب حلفائه، خصوصاً أن وزير الخارجية، بحسب معلومات «الأخبار»، أبلغَ الرئيس المكلّف بأنه سيلتقي بنصرالله، مراهناً على قدرته على حلّ المسألة. إلا أن نصرالله رفَع سقفه في وجه الجميع، من دون استثناء، تحت عنوانين: «ولّى زمن التواضع»، و«لا عودة عن دعم تمثيل السنّة المستقلين في الحكومة الجديدة». هكذا أصبحَ الحريري في «خانة اليك». الخيارات المتاحة أمامه كلها مُرّة. إما الانكسار والقبول بما سبق أن رفضه، وإما الاعتذار عن عدم التأليف، وفي أحسن الأحوال، ترك الأمور على ما هي عليه، ما يعني مواجهة سياسية مع الحزب.
في غمرة التصعيد الحكومي، يؤكّد المستقبليون أن «الحريري لن يعتذر، ولن يقبل بتمثيل السنّة من حصّته». ويخضع هذا الثابت لاعتبارين أساسيين: الأول سعودي، لأن التراجع عن موقفه من مشاركة سنّة 8 آذار يعني التنازل للحزب، وبالتالي زعزعة العلاقة مع المملكة العربية السعودية من جديد». والثاني «داخلي للحفاظ على ما تبقّى له من هيبة داخل الساحة السنية». في محيط الرئيس المكلف من ينصحه بعدم التنازل، والذهاب الى مزيد من التصلّب، متسلّحاً بدعم رؤساء الحكومات السابقين ودار الفتوى، لا سيما أن «كلام السيد نصرالله حمل تحدياً واستفزازاً واضحين» بالنسبة الى المستقبليين. ومع أن خيار الاعتذار ليسَ مستبعداً تماماً، لا سيما أن الحريري سبق أن اعتذر عام 2009 وأعيدت تسميته، فقد نجد أنفسنا أمام المشهد نفسه. لكن المستقبليين يرجّحون أنه «سيصّعد في الشكل ويؤكد موقفه عدم التفريط بحصته، إلا أنه قد يعلن عدم ممانعته تمثيل السنّة المستقلين من حصّة المكونات الأخرى». وبذلك «يكون قد وضع جميع المكونات أمام الأمر الواقع. فهو بذلك لا يفجّر التسوية، لكنه ينقل الكرة الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي يلمّح الجميع الى أن حلّ العقدة السنية لا يُمكن أن يخرُج الا من عنده». ويعتبر هؤلاء أن «من مصلحة عون أن يأتي الحلّ من كيسه لما فيه مصلحة للعهد والبلد».
وعلمت «الاخبار» ان باسيل ناقش مع عدد من حلفاء التيار فكرة ان يكون الحل من خلال ترك امر تسمية الوزير السني السادس لرئيس الجمهورية، بمعنى ان يتنازل هو عن تسمية مقرب منه لهذا المقعد، مقابل تنازل اللقاء التشاوري عن تسمية أحد أعضائه للمقعد، وتنازل الحريري عن رفضه تمثيل هذا الفريق بالمطلق، فيكون الحل بأن يختار عون شخصية من الطائفة السنية لا تعارضها القوى كافة، على ألا تتبنّاها قوة من دون أخرى.
وفيما أكدت مصادر تيار «المستقبل» عدم معرفتها بما سيعلنه الحريري في مؤتمره، كانت المعلومات بدأت تتسرّب حول رأيين داخل المستقبل. واحد يُطالب بمقاطعة الجلسة التشريعية التي دعا إليها الرئيس نبيه برّي رداً على كلام نصرالله، في مقابل رأي آخر يشدد على ضرورة المشاركة «لتمرير بعض المشاريع المهمّة، منها مشروع مرفأ طرابلس، وأخرى ترتبط بمجلس الإنماء والإعمار». وكان نواب الكتلة قد تجمّعوا ليلَ أمس في وادي أبو جميل في انتظار عودة الحريري من باريس، «ليقرر هو الموقف من المشاركة أو عدمها».

الحريري قد يعلن موافقته على توزير سنّة من غير حصته؟


وفيما كانت الاتصالات تنشط داخل المستقبل للبحث في إمكان مقاطعة الجلسة التشريعية، علمت «الأخبار» أن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط تمنّى على برّي «التراجع عن عقد الجلسة لما فيها من بنود متفجرة، ويُمكن أن تزيد من أجواء التوتر». غيرَ أن رئيس المجلس كان حاسماً في هذا الشأن، وعلّق على الأجواء التي تتحدث عن مقاطعة مستقبلية للجلسة أمام زواره أمس بالقول: «يروحوا يقاطعو ويشوفوا شو رح يصير. ما حدا يلعب هاللعبة معي. رح أعمل 100 جلسة». وسأل: «المجلس انعقد في دورة استثنائية، فكيف لا يُعقد في دورته العادية»؟
أما حكومياً، فأكد بري أن «أبواب الحلول ليسَت موصدة»، و«إمكانية الحلّ موجودة»، مؤكداً أن «ما ترونه بعيداً، قد يكون قريباً جداً».
لم يقطع برّي الأمل في التوصّل الى نتيجة إيجابية، خصوصاً أن باسيل اتصل به أمس طالباً لقاءه، وهو ما يُمكن أن يحصل بعد انتهاء الجلسة التشريعية أو على هامشها. وفيما يأمل وزير الخارجية أن يلعب رئيس المجلس دوراً في حلّ العقدة، أكد الأخير أن «الاتصالات استؤنفت معه في هذا الشأن»، معتبراً أن «البلد لن يذهب الى أزمة سياسية كبيرة، لأن الجميع يعلَم بأن الأزمة إذا فُتحت على مصراعيها ووصلت إلى خواتيم سلبية فمن الصعب إعادة لملمتها». وفيما استبعد برّي «اعتذار الرئيس الحريري»، علّق على كلام السيد نصرالله بأنه «شرح واقع الأمور كما هو منذ بداية المشاورات الحكومية»، مكرّراً موقفه بأن «الحلّ لن يكون على حساب حزب الله وحركة أمل، فهما قدّما تنازلاً بقبولهما ستة مقاعد وزارية، لأننا لو كنا نريد أن نعرقل الحكومة ونسير وفق المعايير التي وضعت لكانت حركة أمل وحدها طالبت بخمسة مقاعد على الأقل، قياساً بحجم كتلتها النيابية».



بري: الخطر الوحيد على لبنان اقتصادي
أكد الرئيس نبيه برّي «أن لا عودة لفتنة إسلامية ـــ مسيحية أو فتنة إسلامية ـــ إسلامية، ولا يفكرنّ أحد في ذلك، وهذا غير وارد على الإطلاق». وجدّد في المؤتمر السادس عشر لكشافة الرسالة القول بأن «امتحان أي تشكيلة حكومية ليس في التأليف بل في التآلف، وليس فقط بعرض بيانها الوزاري. والامتحان الحقيقي للحكومة سيكون في ماذا ستقرر في المئة يوم الأولى من عمرها ومدى استجابتها لتطبيق القوانين الإصلاحية». وأكد أنه «لأول مرة في تاريخ الصراع العربي ــــ الإسرائيلي، وبواسطة المقاومة وأهلنا ووحدتنا الوطنية، هناك قوة ردع ضد إسرائيل، وبالتالي فإن اسرائيل ليس بإمكانها أن تعتدي على لبنان، وهي لا تجرؤ على ذلك»، مضيفاً أن «الخطر الوحيد على لبنان اليوم هو الوضع الاقتصادي، وإذا بقي الوضع على هذه الحال فإنه أخطر من خطير».
من جهته، ردّ رئيس حزب القوّات اللبنانيّة سمير جعجع، عبر صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي، على الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، قائلاً «كلامه غير مقبول شكلاً وغير منطقي مضموناً»، فيما عقدت كتلة «اللقاء الديمقراطي» اجتماعاً استثنائياً في مقرها في كليمنصو بحضور رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وأصدرت بياناً لم تتطرق فيه الى الوضع الحكومي أو كلام نصرالله.