في أيلول الفائت قال الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله، إن «التعطيل والجمود هو الذي يحكم الموقف، أنا شخصياً، لا أحب أن أيئسكم، ولكن لا أحب أن أخدعكم، بالحد الأدنى بحسب معطياتي لا يوجد شيء، لا قريب لا بعيد، حتى أيضاً لا أكذب عليكم، لا يظهر شيء، غباشة، لا يوجد شيء بالأفق، الآن ممكن أن ينزل الوحي في أسبوع، في شهرين أو ثلاثة، الله أعلم، ممكن أن تعيد الناس النظر في مواقفها خلال أيام، ليالٍ، أسابيع، شهور، يمكن سنوات، كل شيء وارد، بالعقل السياسي القائم والموجود في لبنان والحسابات السياسية والمنطلقات السياسية كل شيء محتمل».

منذ ثلاثة أشهر وحتى الآن، لا بل منذ لحظة تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، لم يتغير المشهد الحكومي، وإن كانت الأسابيع الماضية قد وصلت إلى حدّ إعداد المراسيم قبل انحسار موجة التفاؤل. حتى إن الكلام متوقف منذ أيام عن الحكومة لمصلحة انشغالات أخرى. فبعدما أطاحت المواعيد ذكرى انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وذكرى الاستقلال، باحتمال تشكيل حكومة جديدة، بات السياسيون يطرحون مواعيد أخرى، كترحيل الحكومة إلى السنة الجديدة أو تشكيلها قبل زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للبنان في النصف الأول من شباط المقبل.
من هنا تستمر النقاشات بشأن مَن هو المستفيد من هذا التأخير، بعدما تجاهل الجميع كل الرسائل الدولية التي تدعو إلى تشكيل سريع للحكومة قبل لقاء يريفيان الذي جمع عون وماكرون على هامش القمة الفرنكفونية، وبعده وصولاً إلى اليوم.
طرفان يفترض أنهما معنيّان في شكل أساسي بتشكيل الحكومة، هما «العهد» ومعه التيار الوطني الحر من جهة، والرئيس المكلف من الجهة الأخرى، وكلاهما حالياً في مأزق عدم التأليف، لأن كل يوم يمرّ من دون حكومة يضاعف من حدة الأزمة التي يواجهانها. وطرف ثالث له حصة وازنة في المفاوضات، أي حزب الله.
يصرّ التيار الوطني الحر على أن لا مصلحة له في بقاء الأمور على حالها من المراوحة، لأن ذلك انتكاسة لـ«العهد»، من دون أن يعني ذلك أن «التيار» مستعد لمزيد من التضحية بحصته أو إعطاء أكثر مما أعطى لتشكيل الحكومة. فهو تنازل مع رئيس الجمهورية عن مقعد نائب رئيس الحكومة، ويستعد لمنازلة حول التوزع المذهبي داخل حصته، بعدما انحصر عدد المقاعد والحقائب، بسبب تحديد القوات اللبنانية حصتها. لذا، يرفض التفريط مرة جديدة بأي حصة له، ولو كان الأمر يتعلق بتسوية الوضع الحكومي، مقابل ترتيب وضع «سُنّة 8 آذار». يرمي التيار كرة التعطيل في ملعب الآخرين، لأن مصلحته تقضي باستثمار نتائج الانتخابات في الحكومة، واستعجال دخول «العهد» في نهوض اقتصادي وسياسي. لكنْ لخصومه رأي آخر. «العهد» فاوض هو و«التيار» أشهراً عن حصصهما، قبل الوصول إلى المأزق الحالي، وبخلاف ما قاله الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، في آخر إطلالة له، فإن «التيار» هو من استنفد الوقت، لأنه كان يصرّ على حصة من 11 وزيراً يعرف سلفاً أن أحداً لن يعطيه إياها، ولأنه كان يرفض إعطاء الآخرين حصصهم، من أجل تعزيز وضعيته تحديداً في الشارع المسيحي. و«العهد» رفع مع «التيار» السقف في موضوع «سُنّة 8 آذار»، لأن رئيس الجمهورية هو الذي تحدث بنفسه رافضاً توزيرهم، ليتدرج الأمر لاحقاً إلى مبادرة، لا يقتنع أي خصم لـ«التيار» بأنها غير منسّقة مع حزب الله، تضع «القنبلة الموقوتة» بين يدي الرئيس المكلف، بعد أسابيع من الود معه، فتعود الأمور إلى النقطة الصفر، ويبقى رئيس الجمهورية و«التيار» متفردين في إدارة البلد، من دون شريك فعلي.
بدوره، الرئيس المكلف، يبدو كمن لا حول ولا قوة له، لأنه لم يعد يملك عنصر المبادرة، فيتلقى ضربات من الداخل والخارج. فكلما تقدم خطوة تراجع خطوات إلى الوراء. بالنسبة إليه، فإنه قدم كل ما عنده، حتى إنه تخطى القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، لمصلحة إنجاز تشكيلة لم تبصر النور بعدما اصطدم بعقبة «سُنّة 8 آذار». حجة مؤيديه بسيطة: هو مستعجل لأنه يحتاج الحكومة أكثر مما يحتاجها أي طرف آخر، وهو بدأ يتلمس حجم الضغط الاقتصادي في ضوء متطلبات مؤتمر «سيدر». لكن حجة خصومه أنه هو الآخر ليس مستعجلاً، بدليل إدارة مفاوضاته البطيئة، وكذلك فإنه يراهن على عنصر الوقت وعدم التمكن من استبداله، مستفيداً من بقاء الحكومة على حالها ما دام منصبه يؤمن له تغطية دولية. لا يريد أن يكون رئيس حكومة فعليّاً، في وقت تتصاعد فيه العقوبات على حزب الله، فيكون بذلك بعيداً عن أي مواجهة دولية. ذلك لأن الحريري نفسه لم يكن ممانعاً توزير سُنّة من خارج حصته، ولم يكن رافضاً الجلوس معهم إلى طاولة واحدة، قبل أن تتطور مواقف رئيس الجمهورية ويتمسك بهم حزب الله.
في المقابل، لن يكون غريباً أن تتقاطع النقاشات السياسية لخصوم حزب الله حول مسؤوليته عن تعطيل الحكومة، وهم أساساً يقولون ذلك علناً. السؤال الذي يحاول البعض الإجابة عنه: هل مصلحة حزب الله الحقيقية في تعطيل التأليف لأسباب تتعلق بالعراق وإيران والعقوبات، تتقاطع مع رغبات القوى الأخرى، بمن فيهم رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، بإبقاء الوضع على حاله لأسباب مختلفة عن أسباب حزب الله؟

لا يقتنع أيّ خصم للتيّار الوطني الحر بأنّ مبادرته غير منسّقة مع حزب الله


في الأشهر السبعة الأخيرة، أطلّ نصرالله مرات عدة للكلام عن ملفات مختلفة. ملف الحكومة كان الأبرز، لأنه كان محطة أساسية لمراقبة مسار حزب الله. وموقف الحزب في هذا الإطار كان متدرجاً. ففي حزيران الفائت دعا إلى عدم الاستعجال لتأليف حكومة «انطلاقاً من المصالح الوطنية»، وطالب بحكومة وحدة وطنية موسعة مع توزير سرياني وعلوي وكل المجموعات السياسية. في آب عاد ليدعو إلى استعجال التأليف، رافضاً المقارنة بحكومة الرئيس تمام سلام، ومنبهاً من الوضع الاقتصادي، وانتقد الذين يريدون التأجيل لأسباب تتعلق بالمحكمة الدولية أو بحرب مع إسرائيل أو بفتح ملف العلاقات مع سوريا، داعياً إلى الجلوس بهدوء لمناقشة تأليف الحكومة.
في تشرين الأول جدد دعوته إلى تشكيل سريع بسبب الوضع المالي والاقتصادي والمعيشي، رافضاً القول إن «حزب الله محشور في الإقليم»، وصولاً إلى الخطاب الأخير، الذي حدد فيه سقف الحزب بالنسبة إلى التأليف. بين كل هذه المحطات، يُربَط موقف الحزب المتقدم والمتراجع بتطورات المنطقة، رغم نفي نصرالله ذلك أكثر من مرة، لأن القصة لا يمكن أن تكون حصراً تعزيز حصة الحزب الحكومية ربطاً بنتائج الانتخابات النيابية، ما يبرر عدم وضوح مواقف الحزب ومطالبه. لكن من قال إن الحزب يريد أن يكشف أوراقه منذ اليوم الأول للتكليف، كما فعل الآخرون؟