عندما يكون محافظ بيروت، بصفته الوصي على الأملاك العامة في العاصمة، هو الذي يشرع التعدّي على أملاكها، وعندما تدفن بلدية بيروت رأسها في الرمال عند حصول أي مخالفات... يصبح من الطبيعي أن تسود الفوضى الكاملة المدينة. باتت بيروت، بفعل ذلك، «حارة كل من إيدو إلو». إذ يمكن الراغب بالتعدّي على أملاكها العامة أن «يستحلي» قطعة أرض ويفرض سطوته عليها بالقوة.

وفيما لم تكد شوارع العاصمة تجفّ من السيول التي أغرقتها بسبب غض المحافظ وقوى الأمن الداخلي النظر عن صبّ صاحب منتجع «ايدن باي» كمية من الباطون في مجرور الرملة البيضاء حفاظاً على مصالحه، حتى عاجلها تعدٍ جديد على حرج بيروت «بطلته» قوى الأمن الداخلي نفسها.
ففيما كانت المديرية العامة للأمن العام تعيد الرمول التي استخرجتها في أيلول الماضي من قسم من العقار 1925، بعد تراجعها عن إنشاء مبنى خاص بها نزولاً عند احتجاجات ناشطين بيئيين معلنة إقامة حديقة للشهداء عوضاً عن ذلك، وبعد أيام على موافقة بلدية بيروت على هبة غير مشروطة من أحد المهندسين لإعداد تصاميم أولية وتنفيذية لإنشاء الحديقة، عمدت قوى الأمن الداخلي إلى «قضم» مساحة من الحديقة المرتقبة، «بحجة توفير مواقف للسيارات الوافدة إلى مبنى سرية سير بيروت»، وفق تأكيد أحد أعضاء المجلس البلدي. علماً أن المبنى هو أصلاً معتد على عقار الحرج وفق قرار للمجلس البلدي، واستنفد مساحة الألف متر التي سمح بها القرار، كما استولى على مساحة إضافية خصصت لركن سيارات السرية.

قضمت قوى الأمن الداخلي مساحة من أرض الحديقة التي ينوي الأمن العام إنشاءها


وبما أن قوى الأمن الداخلي هي الجهة المكلفة مكافحة التعديات والمعتدية في الوقت عينه، فإن إنقاذ حرج بيروت من القضم المستفحل يحتاج إلى تحرك جدي من بلدية العاصمة، لا الاكتفاء بإرسال «الريس» جمال عيتاني، قبل يومين، كتاب «رفع عتب» إلى قائد شرطة بيروت العميد محمد الأيوبي يطالب فيه الشرطة (التي تشغل المبنى) «الالتزام بحدود العقار المبني وإزالة التعديات الحاصلة على العقار المخصص للحديقة». بل كان الأجدى التوجه إلى وزير الداخلية، الوصي على هذه القوى التي تقوم بالتعدّي، أو إحالة الموضوع إلى القضاء، بما أن المعتدي لن يلجم نفسه بنفسه. أما المحافظ زياد شبيب الذي سبق أن تظاهر برفع الصوت في وجه أعمال الحفر السابقة، في أيلول الماضي، بعدما أعطى شخصياً الإذن للأمن العام بالمباشرة بالحفر، فلم يصدر عنه أي تعليق بعد على ما تقوم به قوى الأمن الداخلي. فيما يكاد الحرج ينقرض بعدما وزّعته البلدية وفق تقسيم طائفي «دقيق»: مساجد ومقابر ومعاهد سنية في الجهة التي تسكنها «أكثرية سنية»، ومثلها شيعية في مناطق «الأكثرية الشيعية»، ليبقى خط النار مرسوماً بدقة عند حصول أي طارئ... وتبقى بيروت لطوائفها، لا للبيارتة كما يطيب للبلدية أن تخبرنا قبيل كل انتخابات.