المعلن في العقدة السنّية ان لا حكومة جديدة من دون توزير احد من النواب السنّة الستة. يقرّ حزب الله بهذا المعلن عندما يقول انه لا يسلّم لائحة بأسماء وزرائه الثلاثة قبل استجابة هذا المطلب. يقرّ بهذا المعلن ايضاً الرئيس المكلف سعد الحريري عندما يقول انه يرفضه تماماً ولن يقبل بفرضه عليه، لكنه لا يزال ينتظر لائحة اسماء الوزراء الثلاثة كي يصدر مراسيم حكومته، يعرف في الوقت نفسه انها لن تصل اليه بلا حل المشكلة. بيد ان غير المعلن في هذا المأزق ان السقفين العاليين للطرفين، واصرار كل منهما على ابقائه عالياً، يجعل البلاد بلا حكومة الى امد غير معروف.

كلا الموقفين السلبيين لم يُرضِ رئيس الجمهورية ميشال عون. بحسب المطلعين عن قرب على وجهة نظره، لا تستأهل العقدة السنّية الوصول بالازمة الحكومية الى هذا الحد. مأخذه على حزب الله لا يقل عن مأخذه على الحريري، بعدما قادا سجالهما الى مكان بات يتعذّر على كل منهما الرجوع عنه، من غير ان يقال ان احدهما كسر الآخر.
يختلف موقف رئيس الجمهورية عما يقول به الرئيس المكلف وحزب الله، وهما الطرفان الفعليان في الاشتباك الحالي. لكنهما في الاساس شريكاه غير المستغنى عنهما: الاول في الحكم، والثاني في الخيارات الاستراتيجية. منذ اليوم الاول لانطلاق التكليف، لا يزال الرئيس يتمسك بالرأي الذي ادلى به، ومفاده الآتي:
1 ــــ ليس لأي فريق سياسي احتكار تمثيل طائفة برمتها في حصته الوزارية. صحَّ تطبيق هذا القياس على المسيحيين والشيعة، ولاحقاً على الدروز، ولا يُستثنى منه الحريري. فسّر ذلك، منذ الايام الاولى للتكليف قبل سبعة اشهر، رغبة رئيس الجمهورية في ضم مقعد سنّي الى حصته بغية تفادي احراج الحريري، متيقناً كذلك من ان النائب السابق وليد جنبلاط ــــ رغم اصراره المبكر على المقاعد الدرزية الثلاثة وربطها بالمشاركة في الحكومة ــــ لن يحوز سوى المقعدين الاولين فقط. تطلّب فرض هذا الواقع اكثر من خمسة اشهر كي يبصر النور.
منذ اليوم الاول وضع عون الميثاقية في رأس سلم معايير تأليف الحكومة. جاراه فيه، منذ اليوم الاول ايضاً، الحريري اذ سلّم هو الآخر بتخليه عن مقعد سنّي سادس، بعدما كان ردّد حينذاك ثم استفاض لاحقاً الى حد الافراط ان احداً سواه لا يمثّل السنّة في حكومته. بنشوء العقدة السنّية وإكسابها من الرئيس نبيه برّي وحزب الله جدّيتها اللازمة، بات الرئيس المكلف امام مشكلة مزدوجة: نزاع غير مباشر مع الثنائي الشيعي وخصوصاً حزب الله مذ رفع امينه العام السيد حسن نصرالله النبرة الاعلى، ونزاع مباشر داخل طائفته بين سنّته وسنّة الآخرين.
2 ــــ لأن الانتخابات النيابية أُجريت وفق قانون نسبي، نجمت عنها كتل متفاوتة الاحجام، يقتضي عندئذ الاخذ بنتائجها في التوزير. المقصود في حسبان رئيس الجمهورية توزير الكتل وفي معظمها ــــ إن لم تكن كلها ــــ احزاب. مغزى القياس الثاني اخضاع التوزير للكتل السياسية الحزبية وليس المذهبية. ليس خافياً ان الاحزاب في معظمها ــــ إن لم تكن كلها كذلك ــــ مذهبية لا يعدو انتماء عدد قليل من نوابها الى طوائف اخرى سوى انبثاقه من التحالفات الانتخابية ليس اكثر.
تبعاً للقياس الثاني لم يقل رئيس الجمهورية يوماً انه يستثني الحريري منه، ولم يشكك مرة في وجود افرقاء سنّة ربحوا الانتخابات النيابية في مواجهة الرئيس المكلف في بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع الغربي والجنوب. لم يقل مرة ان ليس لهؤلاء التمثّل في الحكومة ما دام الجميع يسلّم بنتائج الانتخابات النيابية. بيد ان مأخذه الفعلي، المعبَّر عنه في مقابلته التلفزيونية في 31 تشرين الاول، يكمن في اظهار النواب السنّة الستة أنفسهم على انهم تكتل سنّي محض، يشترط توزيره بالصفة هذه.
في فحوى موقف عون ان النواب السنّة الستة لهم ان يُوزَّروا ما داموا فريقاً سياسياً ثانياً ــــ كما الرئيس نجيب ميقاتي ــــ في صفوف الطائفة، غير المقصورة على زعيم اوحد. الا ان ليس لهم ان يُوزّروا بصفتهم تكتلاً مذهبياً محدثاً نشأ ــــ أو دُعي الى النشوء ــــ بسبب الحاجة الى الوصول الى هذا الهدف.

الحريري يجبه نزاعاً غير مباشر مع حزب الله ومباشراً مع سنّة طائفته


3 ــــ رفض رئيس الجمهورية المسودة الاولى للحريري في 3 ايلول، وسجّل علناً ملاحظاته عليها بسبب تضمّنها اللاءات الثلاث التي سبق ان اعلم الحريري بها: حصر المقاعد السنّية الستة بتيار المستقبل، حصر المقاعد الدرزية الثلاثة بجنبلاط، عدم مساواة حزب القوات اللبنانية بالافرقاء الآخرين بمنحه حقيبة دولة. مذذاك تعثّر التأليف امام العقد الثلاث هذه الى ان ذللت الثانية والثالثة وبقيت الاولى. فضّل عون ان لا يصل خلاف الرئيس المكلف مع النواب السنّة هؤلاء، كما مع حزب الله، الى حدّ يتعذّر معه تأليفه حكومته. ذلك مغزى ما رواه، قبل ايام امام زواره في قصر بعبدا، عن قصة سليمان الحكيم والإمرأتين، كي يستخلص ضمناً ان شريكه في الحكم ــــ لا الآخرين ــــ «أم الصبي». الأم الفعلية وليس المزعومة.
4 ــــ يتصرّف رئيس الجمهورية على انه غير معني بالعقدة السنّية وطريقة حلها، ما دام والرئيس المكلف سلّما سلفاً بالحدود الدستورية لصلاحيات كل منهما. الحريري يقترح التشكيلة ويرفعها الى عون ناجزة كي يوافق عليها، فيوقع المرسوم، او لا يوافق ويعيدها الى صاحبها كما في 3 ايلول. اذذاك يقع في صلب اختصاص الرئيس المكلف التفاوض وتذليل العراقيل كما افتعالها اذا اراد والمناورة، الى ان يصل الى الحصيلة المتوخاة.
ولأن رئيس الجمهورية ليس المعني المباشر بتذليل العقدة السنّية، يمسي المعني المباشر ــــ وربما اكثر المعنيين ــــ اذ يتنبه الى انه امضى حتى الآن 25 شهراً في الرئاسة (حتى 31 تشرين الثاني) اكثر من ثلثها تصريف اعمال (45 يوماً مع حكومة 2016 وسبعة اشهر حتى الآن على الاقل مع حكومة احدى قدميها ستتركها قريباً في عام 2018 والاخرى توشك على وطء عام 2019). عندما يقول ان سقف صلاحياته الدستور، معنى ذلك مسؤوليته المباشرة عن دوره كحَكَم وعن انتظام عمل المؤسسات الدستورية والوطنية.
عدم تأليف حكومة ــــ وإن يحمل وزره الرئيس المكلف القائل بأنه صاحب وحده الصلاحية الدستورية ــــ يقع في قلب علة عدم الانتظام.