منذ 29 تشرين الاول، يتواصل الاتهام العلني الى حزب الله أنه وراء تعطيل تأليف الحكومة بحجتين متلازمتين: اصراره على تمثيل النواب السنّة الستة، وامتناعه عن تسليم الرئيس المكلف سعد الحريري لائحة اسماء وزرائه الثلاثة. قبل هذا التاريخ لم يؤتَ على ذكر دور سلبي له، بعدما كان وليد جنبلاط وسمير جعجع، ناهيك بالوزير جبران باسيل، وحدهم في صدارة عرقلة التأليف. قيل ان الحزب حاز حصته وراح يتفرّج. بعد 29 تشرين الاول سؤال واحد: دعمه هؤلاء لتمثيلهم حقاً أم لتعطيل تأليف الحكومة؟

منذ اليوم الاول لنشوء العقدة السنّية - وعمرها من عمر التكليف - لم يتغيّر اي من المواقف المحوطة بها، ولذا لم تحرز الجهود المبذولة اي تقدّم في وجهة حلّها، حتى الآن على الاقل:
- الحريري لا يعترف بهم كتجمّع، ولا يستقبلهم بصفة كهذه، وليس في وارد توزيرهم في حصته التي هي في حسابه الحصة السنّية برمتها.
- النواب السنّة الستة بدورهم ليسوا في وارد التخلي عن شرط تمثيلهم. لم يبدوا استعدادهم للقبول بأحد ما من خارجهم يمثلهم، مع ان هذا الاقتراح يصطدم ايضاً برفض الحريري. امتثلوا لنصائح الحزب حينما دعاهم الى التحاور مع رئيس الجمهورية والرئيس المكلف الذي اهمل طلبي مقابلة تقدموا بهما.
- حزب الله لا يتزحرح عن تأكيد دعم توزير احدهم ما داموا نجحوا بالاصوات التفضيلية في طائفتهم، ولأنهم حلفاؤه هو معهم.
عند هذا الثلاثي يتوقف التكليف. بين ايدي كل منهم فيتو يمنع تأليف الحكومة، مع ان الحريري يتصرّف على انه لا يجبه هؤلاء بل حزب الله، وهو يخوض برفضه هذا الطلب كباشاً لمنع الحزب من التحوّل للمرة الاولى شريكاً اصيلاً في تأليف الحكومة، اضف رفضه الاعتراف بشرعية سنّية يمثلونها مستقلة عنه اكسبتهم اياها الانتخابات النيابية. وطأة ما انبثق من انتخابات 2018 انها اخرجت من يدي الحريري نصف البقاع الغربي، ونصف الضنية، ونصف صيدا، وجزءاً من بيروت وطرابلس، بعدما كانت انتخابات 2005 و2009 منحته زعامة مطلقة عليها كلها تقريباً، فأحالته الطرف الوحيد في طائفته لا خصوم اشداء له، بل احجام محدودة التأثير، على طرف نقيض من الاحجام المتنافرة لدى المسيحيين والدروز.
في جهود الايام الاخيرة بدت ثمة بارقة امل عندما استقبل رئيس الجمهورية ميشال عون في 12 كانون الاول النواب السنّة الستة للمرة الثانية، غداة استقباله النائب محمد رعد والمساعد السياسي للامين العام لحزب الله حسين خليل. في حصيلة الاجتماعين لم تنبثق افكار جديدة ما خلا الفكرة الوحيدة المتداولة التي لم يفصح عون عن استعداده بعد لمجاراتها، وهي تخليه عن المقعد السنّي لاحد من النواب السنّة الستة او مَن يمثلهم.
بيد ان هذه الحصيلة اعادت تأكيد الملاحظات الآتية:
1 - في حساب حزب الله - وهو يتشبّث بتوزيرهم - ان اربعة من النواب السنّة الستة فازوا بأصوات ناخبي طائفتهم، من غير ان يكونوا مدينين له بفضل انتخابهم اذا صح استثناء الوليد سكرية وقاسم هاشم: عبدالرحيم مراد السنّي الاول في البقاع الغربي، وجهاد الصمد السنّي الاول في الضنية، وعدنان طرابلسي السنّي الثاني في بيروت بعد الحريري وقبل سائر اعضاء لائحته، اضف فيصل كرامي السنّي الرابع في طرابلس، واسامة سعد في صيدا. سبب كاف في حسبان الحزب لتوزير احد هؤلاء حلفائه المخضرمين. زد ان النواب الستة زائداً سعد يستعيدون الحملات الانتخابية التي خاضها الحريري ضدهم فرداً فرداً بذهابه هو الى دوائرهم في البقاع الغربي وطرابلس والضنية وصيدا وصولاً الى شبعا حتى. كأنه تحسّب سلفاً فوزهم، فأوصد الباب دونهم فور تكليفه.
2 - منذ اليوم الاول للتكليف ارسل حزب الله من خلال خليل الى الحريري وباسيل رسالتين: اولاهما لفرنجيه الحصول على حقيبة وازنة هي الاشغال العامة والنقل سواء إحتسبت كتلته من ثلاثة نواب او ستة نواب، او قيل انه يستحق التوزير لا الحقيبة تلك. ثانيتهما تأييده توزير احد النواب السنّة الستة الذين كانوا اجتمعوا قبل ستة ايام من التكليف، 19 أيار، في اول اجتماع لهم ثم كان ثان اتفقوا فيه على اطار يجمعهم بعدما غادرهم سعد بعد الاجتماع الاول مفضلاً الاستقلال عنهم. آنذاك اختلفوا حيال تسمية الحريري لرئاسة الحكومة. انقسموا، ثم اقروا بتوجيه رسالة حسن نيّة اليه بترشيحه جميعاً للتكليف (باستثناء جهاد الصمد).

حزب الله غير راض عن تشدّد النواب الستة ورفض الحلول الوسط


3 - الموقف المعلن لحزب الله انه ليس في وارد الضغط عليهم كي يتراجعوا عن مطلبهم لئلا يُلصق بنفسه تهمة انه وراء تحرّكهم. بيد ان ذلك يقتضي ان لا يُفسّر بأنه يتوخى تدليعهم كي يتشدّدوا ويعاندوا، ومن غير المؤكد انه راض عن تصلبهم. ما يريده تمثيلهم - لا تجاهلهم - في معزل عن اي صيغة ترضي الافرقاء جميعاً. في اجتماعه برئيس الجمهورية في 11 كانون الاول ابلغ اليه وفد الحزب انه مستعجل تأليف الحكومة وينصح بالبحث عن تسوية للمأزق. في اجتماع الغداة لم يطرح الرئيس حلاً ولا النواب السنّة اقترحوا حلاً آخر سوى تمسّكهم بمطلبهم. في الساعات التالية لزيارة قصر بعبدا انقسمت آراؤهم بين فريق كمراد منفتح على التسوية المرضية التي تفضي الى توزير تجمّعهم وإن من احد يختارونه، وآخر متصلب ككرامي والصمد يريد توزير احدهم فحسب.
4 - لا ريب في ان تبايناً في الرأي وقع بين رئيس الجمهورية منذ مقابلته التلفزيونية في 31 تشرين الاول وبين حزب الله بإزاء مقاربة العقدة الثالثة. دخل وسطاء عليهما سعياً الى مخرج يقتضي ارضاء اكثر من فريق معني: لا يُشعِر الحريري بالانكسار، ولا يفقد النواب السنّة الستة ثمرة فوزهم في الانتخابات النيابية ما دام قرار التوزير نسبياً على صورة نتائج الانتخابات، ولا يشي باخفاق حزب الله في حماية حلفائه بعدما اكد لمحاوريه انه لا يتدخل في طريقة ارضاء هؤلاء اياً تكن بما في ذلك - اذا رضوا - خروجهم صِفر اليدين.
عزّز احتمال الوصول الى مخرج يجعل الجميع رابحين، ان الحريري - رغم التشدد المعلن - مهيأ لمرونة بتوزير احد يمثل هؤلاء، لكن من حصة رئيس الجمهورية. اذذاك فتح باب جديد على ازمة جديدة مآلها ان تخلي الرئيس عن المقعد السنّي يفقده وحزبه الثلث +1 في مجلس الوزراء.
كأن رئيس الجمهورية يُدعى، بعد تخليه عن نيابة رئاسة الحكومة، الى تنازلين جديدين: المقعد السنّي وما هو اهم ايضاً: الثلث+1.
الانكى ان هذا التوزير يرفضه الرئيس لسبب، والحريري لسبب، وباسيل لسبب.