لم يكد رئيس حزب الكتائب، النائب سامي الجميّل، يعلن تقديم موعد المؤتمر الحزبي إلى شباط المقبل، حتى علت الصرخة من داخل المكتب السياسي: استقالة 3 من أعضائه (شادي معربس وأسعد عميرة وعبد الله ريشا)، ومطالعة قانونية للنائب نديم الجميّل حول وضع الحزب المالي، تحمل ضمن سطورها اتهامات بالفساد ومساءلة عن طريقة الإنفاق ومصادر التمويل وطريقة توزيع الأموال. كان نديم الجميّل قد حاول قبيل ذلك تسجيل اعتراضاته على طاولة الاجتماعات الحزبية وأرسل عدة مراجعات إلى الأمين العام للحزب من دون أن يلقى رداً عليها. وفعلياً، طرح نائب الأشرفية مجموعة أسئلة في الورقة التي وزعها نهار الاثنين الماضي على أعضاء المكتب السياسي، تتعلق بمسار الحزب في السنوات الأربع الأخيرة. وتوقيت الأسئلة بنظره مشروع جداً ما دامت القيادة عمدت إلى تقديم موعد المؤتمر، إذ كيف يمكن عرض حركة الحزب المالية في المؤتمر إذا كان المكتب السياسي لم يقر موازنة مالية منذ 4 سنوات، ولا هو على علم بكيفية إدارتها، أكان في ما خصّ التوظيفات والرواتب أو أموال المعركة الانتخابية والوحدات الحزبية؟ وبرأيه، إن السؤال مشروع عن كيفية صرفها من دون رقابة، ولا سيما مع إشارة البعض إلى صرف غالبية الأموال الانتخابية في المتن الشمالي مقابل «كسر اليد» في الأقضية الأخرى. وحتى الساعة لم يتلقّ الجميّل أيّ ردّ على أسئلته.

يقول كتائبيون إن ما قام به نديم الجميّل يعبّر عن رأي قسم من أعضاء المكتب السياسي المعترضين على السياسة التي انتهجها سامي الجميّل قبل الانتخابات وبعدها، والتي أدت إلى خسارة للحزب أخرجته من المعادلة السياسية ومن الحكومة. فعقب الانتخابات، عقدت خلوة حزبية تقرر على إثرها تعيين مجموعة من اللجان ولجنة تقصي حقائق للخروج بتقرير عن الحزبيين الذين عملوا ضد مصلحة الحزب؛ وكل من جرّ الحزب إلى تحالفات فاشلة. سبعة أشهر مرت من دون أن يصدر تقرير واحد في هذا السياق. يضيف هؤلاء: «وعدنا إلى النقطة الصفر كأنّ شيئاً لم يكن». والهدف اليوم من تقريب المؤتمر ليس إلا «التغاضي عن هذه الأسئلة والخروج بحزب خالٍ من الرأي الآخر يصفق لرئيس الحزب من دون مناقشة». حديث بعض المعترضين على طريقة إدارة الحزب والديمقراطية فيه، يتطابق مع كلام نديم. إذ يرى الأخير أن هناك صدقية مفقودة في المؤتمر الذي يعقد بهدف التجديد للقيادة على أسس هشة. باختصار، «مؤتمر ما إلو لزوم». أما المخالفة الكبرى للنظام الحزبي الواضحة بنوده، «فهي بإعفاء كل الحزبيين من الاشتراكات». لا يطيب لنائب الأشرفية تسمية الأمر «رشوة»، ولكنه يفتح أسئلة عديدة ينبغي لأحدهم الإجابة عنها. إشارة هنا إلى أن من أُعفوا من دفع الاشتراكات يشكلون الهيئة الناخبة، أي المكتب السياسي والمجلس المركزي ورؤساء الأقاليم. لذلك، سيكمل نديم الجميّل ما بدأه عبر عدة خطوات يحتفظ بها للوقت المناسب، وطعنه بطريقة الإدارة ليس سابقة، بل سبق للرئيس أمين الجميّل أن طعن بها في عهد كريم بقرادوني. يومها، وصل الأمر بالجميّل إلى الادعاء قضائياً، وطلب تعيين حارس قضائي على الحزب. فالحزب وفقاً للمقربين من نديم، يخضع للقوانين اللبنانية، وكل ما سيصدر في المؤتمر مطعون به. النتيجة: «لا يمكن سامي التسويق لنفسه على أنه رأس حربة مكافحة الفساد في البلد، وهو لا يكافحه في حزبه الصغير».
يوم أول من أمس، عقد اجتماع للمجلس المركزي في حزب الكتائب تناول ورقة نديم ومطالعته، من دون التوصل إلى أي نتيجة. وبحسب المصادر، أعلن نديم أنه لن يرشّح أحداً إلى أي منصب، كذلك فإنه لن يدعم أي فريق في المؤتمر حتى لا يصوّر «مشروعه الإصلاحي المطالب بالشفافية وكأنه مرتبط بمصالح حزبية». المؤيدون لرأي نديم يقولون إن وضع الحزب الاستثنائي كان يستوجب لمّ الشمل وإشاعة نفس إيجابي عبر إعلان إصلاحات لتضميد الجروح قبل الذهاب إلى مؤتمر. فالخطورة هنا أن يتعرض الكتائب لنكسة جديدة في غياب لوائح منقحة للحزبيين وانقسام عمودي في ما بينهم وحرد حزبي من التجديد لمسؤولين عليهم اعتراضات. وثمة من يذهب أبعد من ذلك ليقول إن الشيخ سامي عائد إلى الخطاب الفيدرالي (الذي كان يتبناه في مجموعة «لبناننا» التي أسسها قبل انضمامه إلى حزب جده وأبيه)، وسيعلن ذلك في المؤتمر، علّه يكسب الشارع المسيحي مجدداً.

يقول المقرَّبون من نديم إن مجمل الأموال الانتخابية صُرفت في المتن الشمالي


مصادر أخرى في المكتب السياسي تنفي ما تقدّم لتقول إن الشيخ سامي لن يعود إلى تبني الفيدرالية، لكن «المكتب متعدد الآراء، ويؤيد أعضاء منه الفيدرالية». ينقض مؤيدو سياسة سامي كل ما سبق، مشيرين إلى أن «الموازنة المالية موجودة، لا بل الحزب مجبور بتقديمها سنوياً. أما في ما خصّ صرف الأموال خلال الانتخابات، فقد قدم الحزب تقريراً مفصلاً إلى لجنة الإشراف على الانتخابات، دفع اللجنة إلى اعتباره الأكثر وضوحاً وشفافية». كلام نديم بالنسبة إلى هؤلاء ساذج ومفتعل، بدليل أن كل ما طالب به «مكانه المؤتمر ويناقش داخله لا خارجه، من الورقة السياسية إلى المالية والحزبية. وإظهار نديم وبعض الأصوات المعترضة التي لا تتعدى الثلاثة من أصل 23 على أنها رأي ملزم ليس في محله. كل القرارات تتخذ بالتصويت، وهذه قمة الديمقراطية بصرف النظر عن أحلام البعض وتمنياتهم». وكان من الضروري «إعفاء الحزبيين من الاشتراكات في ظل الوضع الاقتصادي الصعب، وإلا ما كان أحد قادراً على تسديد مستحقاته حتى يتمكن من المشاركة في الانتخابات الحزبية. ما حصل سيؤدي إلى أوسع مشاركة، وضمن الإطار القانوني». ويستغرب هؤلاء أسئلة نديم التي يعرف جوابها، ولكنه طرحها عن «سوء نية وبغية الإضرار بالحزب. لكن القيادة ستردّ عليها تفصيلياً في وقت قريب».