تعبق رائحة النبيذ في أرجاء البترون. بمبادرات فردية، تنتشر في المدينة، وبعض قراها، خمّارات لصنع النبيذ المحلّي. تتنوع بأحجامها وكمّية إنتاجها. لكن معظمها يتشابه في طابعه العائلي، واعتماده على الزراعة العضوية. الخمّارات الحالية بدأت منذ أوائل التسعينيات. لكن البترون والنبيذ توأم عبر التاريخ. ففي العصر الروماني كانت تُدعى «بوتريس»، أي عنقود العنب، بسبب انتشار الكروم في أرجائها. رموز العنب والخمرة نُقشت على النقود الخاصة بها. أحفاد «بوتريس» أحيوا إرثهم وتعقّبوا مسار أجدادهم عبر التاريخ في تصدير نبيذهم إلى العالم.

لا يضيع من يبحث عن نبيذ البترون. عند جسر المدفون، يبدأ شمال لبنان وقضاء البترون وطريق النبيذ على السواء. لافتة خشبيّة تستعرض أسماء الخمارات التسع التي حوّلت المدينة، في سنوات قليلة، إلى واحة النبيذ الثانية بعد البقاع. من بلدة تحوم صعوداً إلى الجرد، ترافقنا الأسهم الخشبية النبيذية كدليل. تقودنا أولاً إلى خمارة «أطيبايا» في سمار جبيل لجان وميرنا مسعود. رجل الأعمال البيروتي قاده سكون المنطقة، مع شقيقه جوزيف، لشراء بيوت حجرية قديمة وأراض زراعية شاسعة في سمار ومحيطها. حوّلا بعض البيوت، بعد ترميمها، إلى مطاعم تراثيّة. على الطريق العام، حوّل مسعود بيتاً حجريّاً إلى خمّارة ومتحف لأدوات صنع النبيذ. هنا، لا يدخل الزائر إلى عالم تذوّق النبيذ فحسب، بل «تذوّق» المقتنيات التراثية المرتبطة بصناعته من حول العالم. نصبٌ لـ«ديونيسوس»، إله الخمر عند الإغريق، يتصدّر القاعة الرئيسية في الخمّارة. معدّات خشبية كانت تُستخدم، منذ مئات السنين، في جمع العنب وعصره وحفظه في جرار، استوردها مسعود من البرازيل ليعرضها في متحفه الصغير. وفي الزوايا، وُزّعت زجاجات النبيذ من «ماركات» عالمية. عمل مسعود سنوات طويلة في استيراد النبيذ، إلى أن حلّ في البترون. هواؤها المشبع بالخمر وتجارب من سبقه في المنطقة، شجّعته على خوض غمار صنع نبيذ «أحدّد أنا هويته ومذاقه».


في إدة المجاورة، التي تضمّ ستة هكتارات من الكرمة، سُجّلت أولى تجارب النبيذ في عصر البترون الحديث. منذ أوائل التسعينيات، بدأ ابن البلدة العميد المتقاعد جوزيف البيطار زراعة حقول الكرمة في إدة وجارتيها جران وكفيفان. قبل ذلك، كان الزيتون المنتَج الزراعي الأول في المنطقة. صنع البيطار النبيذ من عنب الحقول المجاورة وأنتج ماركة مسجّلة باسمه. بعد رحيله، ورثت بناته الحرفة. في إدة أيضاً، أسّس آل عنيد في 2012 ماركتهم الخاصة أيضاً.

من المجاعة إلى تصدير النبيذ
دير مار قبريانوس ويوستنيانوس، فوق إحدى تلال كفيفان، لا يحتضن مزار القديسين نعمة الله الحرديني وإسطفان نعمة فحسب. الرهبنة المارونية حوّلت جزءاً من الأراضي المحيطة به إلى كروم لصنع النبيذ. عام 2001، انطلقت الصناعة في ثمانية أديرة في لبنان، على الطريقة البدائية، أبرزها في كفيفان ودير مار موسى في المتن. وهي تنتِج سنوياً أكثر من 90 ألف زجاجة للتوزيع المحلّي والتصدير إلى أوروبا.
في ساحة القديسَين عند تقاطع جران - كفيفان، يقود السهم الخشبي إلى شبطين. البلدة التي قتلت المجاعة أهلها في الحرب العالمية الأولى، أدخلتها عائلة نجم طريق النبيذ. هبة المتني، المهندسة الزراعية التي تخصّصت بصناعة النبيذ وزراعة الكرمة في مدينة بوردو الفرنسية، أرادت تطبيق ما تعلّمته في الأراضي التي تملكها عائلة زوجها سليم نجم في البلدة.


بين أشجار الزيتون المعمّرة، بدأت المتني تزرع كروم العنب عام 1994، بعد أن تبيّن من فحص التربة «أنها ككثير من سائر أراضي البترون مناسِبة لإنتاج نبيذ فاخر». داخل بيت قديم، تُجمع حبات العنب بعد قطافها بالتزامن مع عيد مار سمعان بمشاركة أهالي البلدة بين آب وأيلول. تُغسل الحبات وتُكبس يدويّاً. تؤكد المتني أن «دوس العنب بالأرجل في أحواض كبيرة، عادة بطلت منذ عقود». في الخزانات، يُحفظ العصير لأوقات مختلفة بحسب النوع المنوي تصنيعه. بعضه يُسكب في خوابٍ مستورَدة مصنّعة من خشب السنديان، لتعتيقه داخل قبو مُظلم. تقول المتني إن عائلتها تنافس بالنوعية. إذ تنتج فقط 3500 زجاجة سنوياً، تُصرّف في أسواق البترون وبين الأصدقاء. الغاية من المشروع الصغير «الحفاظ على الإرث والمساهمة في تنمية الريف وعدم هجرة الأرض ودفع الأبناء للشعور بالانتماء لها».


بثّ النبيذ الروح في قرى القضاء النائية أيضاً. في راشكيدا المكوّنة من 15 بيتاً تحيط بكنيستين تعودان للقرن السابع عشر، أسّست عائلة أندريه جعارة ماركة خاصة عام 2004. كما أسّس رامز عواد، عميد الخمّارين في البترون، نبيذه الخاص في بلدته مار ماما في جرد البترون على ارتفاع 900 متر. من أربعة هكتارات، ينتج عواد حوالى 12 ألف زجاجة.
في قلب البترون، يجمع أسعد الحرك محصول كرومه الممتدّة في كفيفان وجران وإدة وبسبينا وقندولا وكفور العربة. يشرف مع زوجته كاتي باسيل وأولاده الستة على تصنيع النبيذ. كزملائه، يؤكد أن زراعته عضوية بشهادة نالها من شركة إيطالية. لكن ما الذي جذب المهندس الميكانيكي إلى النبيذ؟ الحرك الذي عاش عقوداً في الولايات المتحدة وجد في النبيذ «رمزاً لاختلاط الثقافات». في المطاعم العالمية التي دخلها «كان النبيذ الفرنسي والأميركي يتنافسان مع نبيذ من جنسيات أخرى، ما عدا اللبناني». لذا قرّر دراسة طريقة صنع النبيذ في جامعة كاليفورنيا. ليست ميزة نبيذ الحرك أنه عضوي فحسب، بل لأن زوجته وأولاده الستة يتولّون بأنفسهم الزراعة والرعاية والقطاف والصناعة بمساعدة عمّال زراعيين. تقول كاتي إن تحقيق الربح ليس الهدف الأول، بقدر إحياء التراث القروي. يُنتج آل الحرك بين 60 و65 ألف زجاجة سنوياً. كغيرهم، يستوردون عناصر الصناعة من الخارج، من الجذور والشتول الفرنسية أو الأميركية إلى الخوابي و«سدّات» الفلين ومعدّات التصنيع.
دوس العنب بالأرجل في أحواض كبيرة عادة بطلت منذ عقود


في مزرعة بسبينا التي هجرها أهلها منذ الحرب العالمية الأولى، يتغيّر المشهد تماماً. كنيسة صغيرة مهجورة تحيط بها مئات الدونمات من حقول الكرمة والزيتون ومهندسون ومزارعون يحرثون ويشذّبون أمام دار آل البيطار التي شُيّدت قبل 400 سنة، وحوّلت طبقتها العلوية إلى مطعم والقبو السفلي إلى خمّارة. هنا تحوّل النبيذ من صناعة عائلية إلى استثمار ضخم بين آل دبانة مالكي معظم الأراضي ورجل الأعمال اللبناني الأصل كارلوس غصن ومستثمرين من بنك عودة. عام 2008، بدأت المجموعة بزراعة الكرمة إلى أن بدأت بالتصنيع عام 2011. يقول أحد الشركاء، هادي كحالة، إن المشروع وفّر الأمان للمزارعين الذين ضمنوا تصريف إنتاجهم شرط زراعته بمواصفات عالية. خمّارة بسبينا تستوعب إنتاج حقول الكرمة التي تُزرع حولها، إضافة إلى إنتاج يأتي من جزين والبترون وبشوات وعيناتا الأرز ودير الأحمر وقب الياس ونيحا وحلوى. وهي تنتج نحو 400 ألف زجاجة سنوياً تُصدّر إلى 21 بلداً.