في كلّ لحظة كان يولد في قلب عصام العبدالله سبب للنزف فسبب لولادة قصيدة جديدة. كان ينزف في شريان اللغة، ويُبلسم بشفتيه جرح الناي ويداوي الآهة التي كانت هي الداء.

أعترف أنه سرق نار الغابة التي تعرّت أمامه من الظلّ، وأنه زرع لغة الناس بين أثلام أنامله، ونقل أسرارهم من بين خطوط تجاعيد جباههم إلى داخل مزاميره. تصوِّرُه قصيدته وكأنه يحكي في المهد، لغة تذهب إلى الدهشة من نفسها، وصورة قُدَّ قميصُها من فرط ما أغراها نبيُّ شعره، فتعلن انتحارها تحت قدمي الفكرة «الآهة» والمعشوقة والملكة التي رصَّعت تاجها بأنامله العشرة.
عصام العبدالله غادرَت إليه القرى لتتعلّم لغتها، رمى بوجه المدينة قلمه فصار صليبها الذي يُحيي ولا يميت. في المقهى أو على الرصيف، أقام بسطات الكتب المعروضة بسعر الكلفة، أو خلف البلور الذي يسمّونه (التلفزيون) أو على مسافة من موعد في طريقه إلى صديق، كلُّ هذه الأماكن كانت عناوينه في المدينة، ومن لا يجده، يقرأه في عدد جريدة من جرائد الصباح، أو يسمع نادرة له في مجلس تخلَّف عن المجيء إليه.
من الشعر جاء هذا الرجل إلى عاميّته فأصبحت عاميّة عصام العبدالله.
عماد حسن شرارة