لم يكن ذاك «الداعشي» يَعلم، قبل أربع سنوات، فظاعة جريمته بتحطيم ثور آشور المجنّح في الموصل. كان في غاية النشوة إذ يضربه بفأسه. صاحب الفأس ذاك، دون مَن فوقه، يجوز فيه القول: «أبتاه، اغفر له، لأنّه لا يعلم ماذا يفعل». كان ذلك في العراق. أمّا في بيروت، هذه الأيّام، فثمّة من يدعو على وزير الثقافة، وكلّ صاحب قرار في شأن حماية الآثار، بل على سائر الصامين مِن المؤثّرين - العارفين: «أبتاه، لا تغفر لهم، إنّهم يعلمون ماذا يفعلون». إنّهم يُدمّرون سور بيروت التاريخي. فؤوسهم أكثر حداثة مِن فؤوس «داعش». التمايز شكليّ محض.

تقف مِن بعيد، في قلب بيروت، لتُراقب ما يحصل في تلك الحفرة بين أكوام التراب... ها هم يُحطّمون السور. أصحاب الفؤوس الحديثة، عند السور، هم أيضاً لا يعلمون ماذا يفعلون. أكثرهم مِن «اليد العاملة الرخيصة» الذين لا يعنيهم إلا قوت يومهم، فيما يُراقبهم مُجرم ما، مِن أعلى، بربطة عنق وبثياب أنيقة... على «أنيَق» ما يكون.
أبناء جيل آبائنا، في بيروت، كانوا يُنادون سائق الأجرة بعبارة «عصّور». تلك الوجهة التي يُريدون الذهاب إليها. كان «الترامواي» يَمرّ مِن هناك، التجّار يُنادون، العشّاق يتواعدون... كلّهم «عصّور». قُلِبَت السين صاداً. كانت في الأصل «على السور». عندما تشيع لفظة دلاليّة في مجتمع ما، حدّ التواتر القطعي، فلك أن تعرف مدى تجذّر تلك اللفظة في ذاكرة ذاك المجتمع. آباء وأجداد، ما زالوا على قيد الحياة، يحكون لنا ما سلف. حكاية لفظة «عصّور» هذه أثبتها أيضاً الأكاديمي حسّان حلاق في سياق كتاباته عن بيروت المحروسة. الحديث هنا عن تاريخ مُعاصر، لا التاريخ الحديث، فكيف وسور بيروت، الذي كان يُحيط بالمدينة القديمة، يعود إلى الحقبة البيزنطية والرومانيّة، بل ويضرب في أساساته أعمق كنعانيّاً. عندما كتب سمير قصير عن تاريخ بيروت اعتمد، في أكثر مِن تفصيل، على مخطوطة صالح بن يحيى الشهيرة. تلك المخطوطة، التي تعود إلى القرن الخامس عشر للميلاد، عثر عليها الأب لويس شيخو اليسوعي في إحدى خزائن باريس أواخر القرن التاسع عشر. نُشِرت باسم «تاريخ بيروت وأخبار الأمراء البُحتريين مِن بني الغرب». يتطرّق صاحب المخطوطة، بن يحيى، إلى حال سور بيروت في أيامه، أي قبل ستّة قرون، إضافة إلى ما وصله عن أحواله قبل ذلك. كلمته الافتتاحية في هذا الشأن تلخّص هنا كلّ شيء: «بيروت مدينة قديمة جدّاً يُستدلّ على قدمها مِن عتق سورها». ثم يُسهب في الشرح: «ومع عتقه، فهو محدث عليها اتخذه الأولون مِن خرائب كانت متقدّمة أقدم بمُدد كثيرة، لأننا وجدنا في السور المذكور قواعد مِن الرخام وأعمدة كثيرة مِن الحجر المانع (المجلوب مِن أسوان في مصر). تعب الأولون في عملها ونقلها وأنفقوا عليها أموالهم». سيكون على التاريخ أن يذكر، لمن يأتي بعدنا، أنّ ذاك الأثر دُمّر آخر ما بقي مِنه بغية إقامة مبنى تجاري حديث، خالٍ مِن الروح، على غرار تلك الأبنية ذات الواجهات الزجاجيّة المقيتة. يحصل هذا عام 2018. يُمكن هنا اقتباس كلام لابن يحيى، مِن المخطوطة نفسها، تفيد راهننا: «دلّ على ذلك أنّها مِن خرائب قديمة، كانت عظيمة البناء، جليلة المقدار، فاستهانوها الذين جاؤوا بعدهم».

لو أن لدى مَن بيدهم القرار ثأراً مع بيروت لما فعلوا بها أكثر مِما فعلوا هنا


ظلّ سور بيروت، على تبدلات أحواله، قائماً حتى أواخر الحقبة العثمانيّة. كانت تنتشر على طوله أبواب المدينة على غرار المدن المشرقيّة الشهيرة. أعاد أحمد باشا الجزّار، أواخر القرن الثامن عشر، ترميم السور، وربما هذا ما جعل بعض الكتاب ينسبون إليه البناء خطأ. كذلك ربّما لأن ذاك الترميم هو أكثر تماساً مع الذاكرة القريبة. الواقع أنّ بيروت لم تُعرف في التاريخ إلا ولها سورها، باستثناء الحقبة الموغلة في القدم، التي يصعب معها تحديد مكان المدينة أساساً. ينقل طنّوس الشدياق في «أخبار الأعيان» أن بلدوين الأول، في الحروب الصليبيّة، عندما حاصر مدينة بيروت مع سائر الساحل الشامي (عام 1110) ذكر «مناعة وقوة تحصين السور». قبل تلك الحقبة، يرد ذكر السور في بعض المصادر التاريخية العربيّة عرضاً. الفقيه والمتكلم أبو الفرج بن الجوزي (القرن الثاني عشر للميلاد) يذكره، نقلاً «عن بعض السلف» (ما يُشير إلى حقبة أقدم) بالآتي: «رأيت على سور بيروت شاباً يذكر الله... (إلى آخر الرواية)». غاية السور، في سائر المدن قديماً، كانت لحسابات حربيّة، لصدّ العدوان الخارجي تحديداً، ويتضح هذا مع ما أورده الرحالة ابن حوقل (القرن العاشر للميلاد) في كتابه «المسالك والممالك» (أو «صورة الأرض» بتسمية أخرى)، إذ يقول: «بيروت مدينة على ساحل بحر الروم، وبها يُرابط أهل دمشق وسائر جندها وينفرون إليها عند استنفارهم (...). بيروت هذه (كانت) مقام الأوزاعي، وبها النخيل وقصب السكر والغلّات المتوافرة وتجارات البحر عليها دارّة واردة وصادرة، وهي مع حصنها حصينة منيعة السور».

(مروان طحطح)

الحديث عن سور بيروت يحتاج إلى بحث تاريخي مستفيض. أينما بحثت، في أي مرجع تاريخي، تجده قريناً لاسم بيروت. أبراج المدينة الذائعة الصيت، ومنها البرج الذي استمدت منه الساحة الشهيرة اسمها، كانت تنتشر على طول ذلك السور. لاحقاً أقيمت عليه الأبواب السبعة، أو الثمانية بعد زيادتها، وبعض أسمائها ما زالت متداولة إلى اليوم. باب إدريس مثلاً. قبل قرن، أو أكثر قليلاً، كانت أبواب المدينة على السور هي: باب السلسلة، الدباغة، السرايا، الدركة، يعقوب، إدريس وباب السنطية. ينقل الشيخ طه الولي، في كتابه «بيروت في التاريخ والحضارة والعمران»، أنه في الثلاثينات من القرن العشرين، وعندما «كانت بلدية بيروت تردم بقايا السور وتزيل أنقاض باب الدباغة المتصل به، لفتح الشوارع والأسواق في منطقة المرفأ، ظهرت تحت الردم والأنقاض آثار هيكل روماني وحطام تمثال لأحد الفرسان». هكذا، يبدو أن بلدية بيروت دائماً ما كانت تُحب الهدم. لم نعثر على موقف للمحافظ آنذاك. عموماً، عقلية الهدم هذه كانت سائدة آنذاك، في العالم عموماً، وإن تفاوتت نسب الوعي لقيمة الآثار، ولكن الآن، الآن في القرن الحادي والعشرين، يُهدم آخر ما بقي مِن سور بيروت! لدى وزير الثقافة أصدقاء غربيون، قطعاً، فليسألهم لو أنه كان في بلادهم في عصرنا وأعطى الإذن بالهدم، فما الذي سيحصل؟ المسؤولون في بلادنا متمدّنون مزيّفون. يجلسون مع الغربي، يحاولون تقليده، يتماهون مع تحضّره، شكلاً، ولكنهم في الواقع كتل متحجّرة مِن التخلّف. مثل «داعش»... وهم يعلمون ماذا يفعلون.
يذكر طه الولي، في «أبواب بيروت السبعة»، أن تسمية باب إدريس تُنسب إلى رجل من أسرة إدريس. كان هذا يملك منزلاً يتصل بالباب ويقع عند مفترق طرق تلك المحلة. قبل أقل مِن قرنين، وبأمر مِن والي المدينة، جاءت شركة أجنبيّة لتنفّذ مشروعاً يصل الطريق بالبحر، وبالتالي يقضي بهدم منزل إدريس وما يلحق به مِن السور. الأخير رفض الأمر وأصرّ على البقاء. جاءه الوالي (الذي يقوم اليوم الوزير مكانه) وقال له: «إنك ستذكرني بالخير وتتمنى لنفسي الرحمة إذا رأيت ما سيحصل مِن المنافع بفتح هذه الطريق». اليوم لم يبق مِن ذاك الباب إلا اسمه. هُدِم سور بيروت في التاريخ مراراً، لكنّ أساساته كانت تبقى ضاربة، فيُرمّم ويزاد عليه حقبة تلو أخرى، أما ما يحصل اليوم فهو هدم ما بقي مِن أساسه. إنّه الهدم الأخير. هذه هي النهاية. لا بدّ أن يحفظ التاريخ على يد مَن حصل ويحصل ذلك... كما حفظ اسم نيرون. لو أن لدى مَن بيدهم القرار ثأراً مع بيروت، مع تراثها، لما فعلوا بها أكثر مِما فعلوا هنا. ما صنف هذا البُغض لمدينة عاصمة؟ طبعاً، هناك دوماً مَن يُردد تلك العبارة ببلاهة: البشر أهم من الحجر. تصحّ هذه في أحيان كثيرة، ولكن، في المقابل، وفي أحيان أخرى، تكون بعض الحجارة أهم مِن بعض البشر... خاصّة أولئك الذين يحطّمونها.