يسأل أحدهم مفتي السعوديّة إن كان يجوز له زيارة الآثار، تحديداً تلك الواقعة في محافظة العلا، مثل مدائن صالح وغيرها، فيجيبه: «لا يجوز لك الذهاب، وليس لقوم الدخول على مساكن أولئك المعذّبين، إلا أن يكونوا باكين، لئلا يُصيبهم ما أصابهم». هذا رأي مفتي السعوديّة الحالي. آنذاك، حين تلك الفتوى، كانت السعوديّة بلد «اعتدال» في المنطقة، بحسب ميشال معوّض وسائر «الشلّة». كانت «معتدلة» رغم تحريم السياحة على أرضها. كان يجري «التهييص» لذاك «الاعتدال» سنة تلو أخرى، حتّى في عام 2014 الذي أوردت فيه صحيفة «الحياة» السعوديّة خبراً، رهيباً، مفاده أنّ عدد تأشيرات السياحة إلى السعوديّة خلال عام هو: صفر. مسؤول سعودي بارز قال للصحيفة تعليقاً: «السيّاح لا يهموننا». اليوم تفتح السعوديّة أبواب «السياحة» إلى محافظة العلا، ذاتها، لوفد لبناني ضمّ مئة مِن ميشال معوّض. هؤلاء، ومِن بينهم ميشال سليمان وعوني الكعكي وأفيديس كيدانيان، يتحدّثون اليوم أيضاً عن «اعتدال» السعوديّة نتيجة هذه الخطوة. لا تفسير لهذه المعضلة إلا بأنهم كانوا يكذبون سابقاً في حكاية «الاعتدال» هذه. مهلاً، هناك احتمال آخر، أن تكون السعوديّة أصبحت الآن «معتدلة إكسترا» أو «معتدلة بلاس». مهلاً، مرّة أخرى، ألم تقع حكاية «المنشار» خلال العام الجاري؟ بلى، واللهِ... ومع ذلك هي «معتدلة». هي حكاية عنزة ولو نُشِرَت... بـ«المنشار».

ذهب القوم إلى العلا، بمعيّة ماجدة الرومي، التي «أطربتهم» كما جاء في الخبر. كان ذلك ضمن افتتاح شيء اسمه «مهرجان شتاء طنطورة». أثناء تجمّع المئة قبيل الانطلاق، في مطار بيروت، أطلق الأمين العام لتيّار المستقبل تصريحاً رهيباً: «هذه الخطوة تثبت أنّ السعودية ركن أساسي في الدول العربيّة وفي معادلة المنطقة». ما هذا؟ زيارة سياحيّة ـــ جيوبوليتيكيّة يعني؟ إلى هذا الحد كانت السعوديّة تافهة، كدولة في الإقليم، لتحصل مِن خلال زيارة ميشال معوّض لها، برفقة راغب علامة، على دور في «معادلة المنطقة»؟ هؤلاء يريدون المدح فينطقون بالذمّ. حقّ لولي العهد، حيال تصريح كهذا، أن «يخصم» مِن صاحبه «صرّة مِن الدنانير». يبدو أنّ السفير السعودي، وليد البخاري، عاش اللحظة «الحربجيّة» تماماً، قائلاً لقناة المؤسسة اللبنانية للإرسال، المحتفيّة بقوّة، إنّ المهرجان يحصل بمشاركة «طلائع مِن لبنان». طلائع؟ يا للهول. بالتأكيد هو لا يقصد شيئاً على غرار «طلائع البعث». ربما سيكون على الطلائع الأخيرة، قريباً، أن تُنسّق للوفد نفسه رحلة سياحيّة دمشقيّة، برعايّة إماراتيّة ـــ سعوديّة، مثلاً يعني. لعلّ التاجر محمد شقير سيكون أوّل الملبّين. التجارة لا تعرف حدوداً.
لسببٍ ما، بدا الإعلامي نيشان ديرهاروتيونيان أكثر «المفعوطين» فرحاً بالزيارة. يأخذ «السيلفي» تلو الأخرى مع البخاري... السفير طبعاً. حوّل نيشان نفسه إلى مراسل شخصي للبخاري، عبر هاتفه، الذي أزاح كاميرته عن وجهه الضاحك، شيئاً فشيئاً، لمصلحة وجه البخاري، حتّى اختفى. الراجح أنّ أعضاء الوفد اللبناني، ربما باستثناء إبراهيم شمس الدين، لا يعرفون مَن يكون الشيخ صالح الفوزان. إنّه عضو حالي في اللجنة السعوديّة الدائمة للإفتاء، وكذلك عضو هيئة كبار العلماء. هذا يقول، وليس مِن زمن بعيد، إنّ زيارة الآثار في العُلا محرّمة، إذ «ماذا نقول، للأسف، أصبحوا يذهبون إلى هناك للنزهة والإعجاب بتلك الحضارة». الفوزان هذا عيّنه، في منصبه الحالي، الملك السعوديّ الحالي سلمان بن عبد العزيز، قائد مسيرة «الاعتدال» نفسه. لنأمل ألا نكون بذلك عكّرنا صفو خاطر الدكتورة مي شدياق.