المواجهة في فنزويلا وصلت إلى طورها الأخير، في مشهدٍ مألوفٍ عرفناه في بلادنا من قبل، بل وأضحى بمثابة «منهجية عمل» للأميركيين في زمن سطوتهم: بلدٌ محاصر أوصلته الحرب الاقتصادية إلى الأزمة، حملة إعلامية وسياسية لنزع الشرعية عن النّظام وتبرير الانقلاب/ الغزو، ومعارضة يعيّنها ترامب رئيسةً للبلاد (وهذه المعارضة، بالمناسبة، لم تفز بأي انتخاباتٍ رئاسية في العقدين الماضيين، حتى حين ساءت الأوضاع وحلّت الأزمة، وقد كانت لديها العديد من الفرص).

ولكنّ الأساس هنا هو أنّنا لسنا في سيناريو «نظام في وجه أميركا»، والنّظام عبارةٌ عن رئيسٍ وبيروقراطية وجيش. الطّرف المدافع في فنزويلا هو حركة شعبيّة حقيقيّة، تضمّ أكثر الفقراء في البلد، وهم أثبتوا أنّهم لن يتراجعوا أو يتنازلوا تحت الضّغط والتخويف، وأنّهم مستعدّون للدفاع عن قضيّتهم حتّى النهاية. ولو لم تكن المعارضة - وخلفها واشنطن - متيقّنة من أنّها ستُسحق في أي حربٍ أهليّة أو صدامٍ داخليّ، لكنّا دخلنا دورة العنف في فنزويلا منذ زمن (حتّى «واشنطن بوست»، وهي أداةُ في الحرب على فنزويلا، تعترف بأن تظاهرات المعارضة تجذب أساساً الطبقة الوسطى وما فوق؛ واستطلاعات الرأي تشير إلى أن الفقراء والسكان الأصليين، حتّى وإن فقدوا الثقة في الحكم، فهم ما زالوا يعادون المعارضة «البيضاء» وتعاديهم). طالما أنّ هذه الحركة الشعبيّة موجودة، وطالما أنّها تحظى بحبّ الفقراء وولائهم، فإنّ مادورو - أو أي خلفٍ له في الحركة البوليفارية - لن ينتهي مثل ألليندي.
نقف مع فنزويلا أيضاً لأنّها تكرارٌ لـ«خيار العراق»: يتمّ إيصال البلد إلى الأزمة والمجاعة والحصار والعزلة، ثمّ توضع معاناة النّاس في كفّة و«تغيير النّظام» في الكفّة الأخرى. المشكلة - في العراق كما في فنزويلا - هي أنّ الأميركيين لم يطالبوا الشعب العراقي بمقايضة رأس صدّام بإيقاف المجاعة وإنهاء الحصار، بل أن تتخلّى عن كامل استقلالك، وسيادتك على ثرواتك، وأن تعيّن واشنطن أسفل من في قومك لكي يحكموك - كلّ هذا حتّى ترفع عنك قدمها، وتسمح لك بأن تعيش. ولكنّ الأسوأ ليس هنا، بل في أنّ «الصفقة» ذاتها مسمومة: بعد الاحتلال لم ينل العراقيّون، مقابل كلّ ما خسروه، أماناً وازدهاراً، بل مزيداً من الخراب والضعف والاستهانة. الأفضل هنا، والعقلاني والأخلاقي، هو أن لا تقبل الابتزاز، وأن تنال حريتك بنفسك مهما كان الثّمن. أيّام حرب العراق، سمّى الرّاحل جوزيف سماحة هذه المعادلة الأميركية التي وُضعنا أمامها «خيار صوفي» - نسبةً إلى الرواية حيث يُجبر الجندي النازي الأمّ على الاختيار بين أيّ من ولديها سيعيش وأيّهما سيموت. المعادلة، في الحقيقة، هي أسوأ من ذلك بكثير، وهذا ما تعلّمناه من التجربة ويجب أن يعرفه الفنزويليون: الجندي الأميركي، إن لعبت لعبته، فسيقتل ولديك الاثنين.
ومثلما بثّت أصوات أميركا في بلادنا، عام 2003، مقابلةً بين الاستبداد والاحتلال («الاستبداد يجلب الاحتلال» وما إلى ذلك من تبريرات)، أصبحنا نجد اليوم، لدى الأصوات ذاتها، معادلة «الفشل الاقتصادي يجلب الاحتلال» (لأنهم لا يستطيعون التشكيك في شرعيّة مادورو، وغداً قد يصبح الفقر - أو العجز عن اللحاق باليابان - مبرّراً لنزع الشرعية عن النظام المستهدف). ثمة فارق أساسي بين أن تقول إن مادورو لم يتمكّن من مواجهة الأزمة ومنع الانهيار، وبين أن تعتبره مسبباً لها. هذا على طريقة الخطاب الكاريكاتوري الذي ينتشر في أوساط اليسار الغربي، ويلوم مادورو وتشافيز لأنّهما لم يتمكّنا من بناء «اقتصادٍ منتج» لا يعتمد على النّفط، وأنّ ما يجري اليوم هو «نتيجة طبيعية» لذلك (حقاً؟ هل لديك وصفة لتحويل البلد إلى تايوان خلال خمس سنوات؟ وهل كان على تشافيز أن يحقّق هذه النقلة التاريخية وهو يواجه حرباً داخلية، وحصاراً خارجياً، وتعاديه أغلب النخب في البلد - بمن فيها الأطباء والمهندسون ورجال الأعمال؟). بالمناسبة، المشكلة الاقتصادية المباشرة والأساسية في فنزويلا اليوم ليست في الإدارة أو السياسة النقدية، بل في أن فنزويلا - ببساطة - لا تقدر على إنتاج النّفط، وقد هبطت صادراتها إلى أقلّ من ثلث ما كانت عليه قبل سنوات، ومعها العائدات التي تموّل الدولة وحياة النّاس. هذا سببه مزيجٌ من الحرب الاقتصادية والمواجهة الداخلية في شركة النفط الوطنية والصراع مع الشركات الأجنبية التي كانت تتولى قطاع النفط في البلد - «كونوكو» الأميركية، مثلاً، قامت بـ«الحجز» على المصفاة الرئيسية التي كانت فنزويلا تكرر فيها نفطها وتصدره، في كوراساو، وأوقفتها عن العمل لأشهر طويلة. فنزويلا تملك احتياطات هائلة، ولكن هذا لا قيمة له في ذاته، إلّا في استثارة أطماع الكبار. ما يهمّ هو الإنتاج واستغلال هذه الاحتياطات. وأي دارسٍ لتاريخ النفط يعرف كيف تحكّمت أميركا تاريخياً، عبر السياسات والعقوبات والاحتكار التكنولوجي، بمستوى الإنتاج في العالم ومنعت دولاً ذات احتياطات هائلة (مثل العراق في الماضي وفنزويلا وإيران اليوم) من استغلال مواردها لمصلحة دولٍ «حليفة». الاتحاد السوفياتي نفسه، لو لم يكن قوة صناعية هائلة وحظي في فترةٍ باكرة باستثمارات غربية نقلت إليه بعض التكنولوجيا، لما تمكّن من استخراج قطرةٍ من نفطه وغازه (وهو مع ذلك لم يقدر على الوصول إلى احتياطات هائلة في أرضه، كالتي في المياه العميقة، لأنها كانت «معقّدة» لا تقدر عليها إلا الشركات الغربية الكبرى).
نقف مع فنزويلا لأنّنا لا نصدّق أن ترامب حريصٌ على مصلحة الفنزويليين وتهمّه معاناتهم؛ ونعرف أنّه لو حصل على مراده، وعاد الحكم في فنزويلا إلى الطبقة القديمة (وهي تعود بشكلٍ أكثر شراسة)، ودخل البلد درب التخصيص والأمركة، فإنّنا - في أحسن الحالات - سنشهد دورةً تاريخية قد تدوم لسنوات، ولكننا نعود في نهايتها إلى عام 1992، حين كان البلد في انهيارٍ وشلل، ونظام الحزبين ديموقراطية فارغة، و80% من الشّعب في فقرٍ وعوز، وإنتاج النفط يتدهور - أي حالة تشبه إلى حدٍّ بعيد الوضع الحالي، كما تشير الباحثة إيفا غولينجر - ولكن من دون حصارٍ وعقوبات وحربٍ اقتصادية.
وقبل ذلك كلّه، نقف مع فنزويلا لأنّنا نعرف (على عكس صنفٍ من «الناشطين») أنّ الهزيمة ليست مسألة نظريّة، بل هي شيءٌ حقيقي ومكلفٌ وثقيل، وستدفع ثمنه، أنت والملايين من أبناء شعبك، لسنواتٍ طويلة وتسدّد فواتيره حتّى آخر قطرة. لا شيء في الحياة حقيقيٌّ أكثر من الهزيمة. قد لا تكون لدى بعض «النّاشطين» مشكلة في أن «يضحّي» بنظامٍ هنا أو ينسحب من معركة هناك، لأن الإعلام قال له ذلك، أو لأن المعركة أصبحت شاقّة و«غير نظيفة»، ولكنّ الأميركيين وحلفاءهم، حين يحتلّون موقعاً لك، فهم - كجيوش الصليبيين في أيامهم - يتشبّثون به ويحفرون فيه ولا يخرجون منه إلّا بالخلع. لو هُزمت الحركة البوليفارية اليوم أمام أعدائها، فهي ستكون هزيمةً لنضالات الملايين وسنواتٍ من التضحية، وستحتاج إلى عشرين عاماً لكي تعوّض الخسارة وتصنع مجدّداً ما يشبه الأمل. هذا هو الدّرس الذي لم يفهمه الكثير من «الناشطين» العرب في السنوات الماضية، حين وضعوا أنفسهم ومن حولهم (أحياناً لأسبابٍ فرديةٍ بحت، أو بحثاً عن راتب أو تماشياً مع جوٍّ خليجي مربح) في سياق الهزيمة المحتمة، وهم يعاملون المسألة كأنها معركة على فايسبوك، ولا يعرفون أنّهم سيدفعون ببطءٍ، وإلى الأبد، ومن حساب كرامتهم وكيانهم ومكانهم في التّاريخ، ثمن هذه الخيارات.
من هنا، نقف مع فنزويلا في أصعب أيّامها، ونعرف أنّ الهزيمة، إن كان لا مفرّ منها، فهي لا يجب أن تكون من غير قتال.
وأيضاً لأنّ فنزويلا، إن سقطت، فستكون هزيمةً لنا جميعاً. علّق صديق فنزويلي بمرارة: «هل تذكرون حين كانت أميركا اللاتينية منبعاً للأمل؟». لو هُزمت فنزويلا، فسيكون ذلك انطفاءً للأمل في القارة إلى أمدٍ بعيد، وهيمنة أميركية كاملة على الإقليم، تزيد من سطوة واشنطن في العالم وتحبط كلّ من يقاومها.
وأيضاً لأنّ الانقسام في بلادنا يشبه الانقسام في البلد اللاتيني البعيد: الإنسان العربي الفقير تجده في صفّ مادورو «عصبوياً» وبشكلٍ تلقائي، وهو يلوم أميركا ويرى المسألة واضحة؛ في حين أنّ أكثر فئات مجتمعنا فساداً تعادي مادورو وتكرهه بصورةٍ «عصبوية» مشابهة.
وأيضاً حتّى يعرف الفنزويليّون، وهم في أقسى مراحل المحنة والحصار، أنّهم ليسوا وحيدين. لهذه الأسباب كلّها، نقف مع فنزويلا وأهلها الفقراء، وإن لم نقدر على فعل شيءٍ لهم.

أسرة التحرير